الأحد، 15 يناير 2012

البنوك الإسلامية- مخالفة، جنحة، وجريمة



قبل عدة أعوام ابتكر أحد المدراء طريقة جديدة في التعامل مع تأخر الموظفين عن مواعيد الدوام، حيث قام باستحداث نظام يقوم على فرض غرامات مالية مقابل كل دقيقة تأخير أو غياب، أياً كان السبب، ولا يشفع للموظف إن قام بالتعويض عن فترات الغياب في وقت آخر، وعلى الموظف الذي غاب لسبب طارئ أن يتقدم بطلب مصحوباً بكافة الاثباتات والأدلة وأن يخوض حرباً لعدة شهور مع إدارة الشؤون المالية والإدارية لاثبات الحالة الاضطرارية لأن الأصل عند هذه الشركة هو الإدانة وليس العكس، وقد وجد له القانونيين كل المسوغات القانونية والشرعية لتصرفه اللاأخلاقي.


وذراً للرماد في العيون قام أحد دهاة القانون -وبايعاز من إدارة الشركة- بادخال تعديل بسيط على الإجراء الجديد ينص على أن كافة الغرامات سيتم إيداعها في صندوق خيري لدعم ومساندة الموظفين وعائلاتهم عند الضرورة أو الحاجة، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين يرضخون للقانون الجديد ويتقبلونه على مضض.


مضت الأيام، وتعرض الكثير من الموظفين لحالات من العجز والمرض، ومع ذلك لم يحصلوا على شيء من ايرادات ذلك الصندوق، وعند السؤال والاستفسار تبين أن إدارة الشركة قامت بتوزيع العائد الأكبر من ايرادات الصندوق على المعوزين من موظفي إدارة الموارد البشرية والإدارة العليا، رغم أن نسبة الموظفين في هذه الأقسام لا تتعدى ال10%، والأدهى من ذلك أن تتباهى هذه الشركة في وسائل الإعلام المحلية والاقليمية بانجازات الصندوق وكيف ساهم في مساعدة موظفي الإدارة العليا دون غيرهم، رغم أن أغلب ايرادات الصندوق جاءت من موظفي الأقسام الأخرى


_____________________________________________________


ما ورد أعلاه هو بالضبط ما قام به بنك دبي الاسلامي حين أعلن عبر مؤسسة دبي الاسلامي الإنسانية عن تبرعها بمبلغ 10 ملايين درهم لنزلاء المؤسسات العقابية من "المواطنين" فقط، وكأن أبناء الجنسيات الأخرى لا يستحقون تسديد مديونياتهم.


المخالفة كانت عبر الفتوى -سيئة الذكر-، والتي تنص على الزام المدين بالتبرع في حال تخلفه عن السداد، وهي الفتوى التي تسرع أصحاب الفضيلة والعلماء باطلاقها حفاظاً على حقوق المؤسسة المالية ومنعاً لمماطلة العملاء، دون التأكد من قابلية المؤسسات المالية لتطبيقها بشكل أخلاقي، بحيث لا يتم الإلزام بالتبرع الا عند التأكد من مماطلة العميل، وليس العكس عبر افتراض أن المماطلة هي الأصل، وكأن جميع العملاء عبارة عن مماطلين مع سبق الاصرار والترصد، إضافة إلى افتقار الفتوى إلى عنصر النية الذي هو أصل في عقود الهبة كالصدقة وغيرها.

الجنحة جاءت عبر التطبيق العملي لهذه الفتوى، فعند النظر إلى المقاصد والمآلات بالنسبة للعميل، فلا أجد أي فرق يذكر بين البنوك الربوية والبنوك الاسلامية، فالعميل المتخلف عن السداد -أياً كان السبب- سيغرق في دوامة الديون التي لا فكاك منها، وسيبقى تحت رحمة البنوك، إضافة إلى أن الأصل في الأفراد والمجتمعات أن التخلف عن السداد هو الحالة الاستثنائية، وأن على البنك إثبات المماطلة قبل فرض الغرامات وليس العكس، وأتمنى من القراء أن يطلعوني ولو على حالة واحدة حقيقية عن رجل تخلف عن السداد وقام البنك الاسلامي بإعفائه من الغرامات للاعسار، لعلي أحسن الظن مرة أخرى في بنوكنا الاسلامية.

أما الجريمة فكانت عبر حصر التبرعات في فئة معينة من الناس، وهو الأمر وإن كان محموداً في الظاهر، الا أنه مذموم في الكثير من جوانبه، فموارد الصندوق -أياً كان مصدرها- جاءت من مختلف فئات المجتمع، وبالتالي فالبنك والمؤسسة الخيرية التابعة لها مدينة لهذا المجتمع بكافة فئاته دون تمييز، ولكم أن تتخيلوا هيئة إغاثية في أفريقيا تقوم بتوزيع الأغذية والبطانيات على أبناء قبيلة واحدة دون غيرهم لتعرفوا حجم الجريمة التي تطعن في أخلاقية البنك ومؤسسته الخيرية.

مجرد رأي نسعى من خلاله إلى تصحيح المسيرة، مع تأكيدنا على الجهود المبذولة من بنوكنا المحلية في دفع مسيرة البنوك الإسلامية إلى الأمام، دون إغفال دور مؤسسة دبي الإسلامي الإنسانية في دعم العمل الخيري وجهود الهيئات والمنظمات الخيرية داخل وخارج الدولة.

الثلاثاء، 10 يناير 2012

الاقتصاد الاسلامي - دعوة للتغيير

منذ الطفولة، ونحن نرضع الفقه الاسلامي من كتب التراث ونقولات السابقين، فيما يخص جميع عباداتنا ومعاملاتنا، خصوصاً وأننا نعيش في بيئة عربية اسلامية تقدس الماضي، وتكن احتراماً كبيراً لرموزها الدينية، ولمدارسها الفقهية.

وحين خرجت تلك المدرسة التي تقول أننا رجال وهم رجال –في إشارة إلى المذاهب الأربعة-، وتدعو إلى اصدار الأحكام واطلاق الفتاوي بالنظر إلى النصوص فقط هاجت الدنيا وماجت بحكم أن السابقون كانوا قريبي عهد بعصر النبوة، وبالتالي كانو أكثر مقدرة على معرفة الحكم الشرعي الصحيح واستنباط الأحكام، وهو أمر منطقي ومقبول فيما يخص العبادات من صيام وصلاة، والتي لا تختلف ولا تتغير بتغير الزمان والمكان الا في فروع بسيطة.

ولكن الأمر يختلف اختلافاً جذرياً في مجالات أخرى كالنظام الاقتصادي والسياسي في الاسلام، فما كان يحدث في عصر النبوة ومابعدها، يكاد يكون منفصلاً عما يحدث اليوم في عالم توسعت فيه البلاد وتكاثر العباد، وهو ما دعا الكثيرين للدعوة إلى إعادة كتابة الفقه السياسي وصياغة الفكر السياسي الاسلامي من جديد بناءً على الأصول العامة والنصوص الشرعية من القرآن والسنة فقط دون الرجوع إلى نقولات العلماء وكتب التراث الا للاستئناس.

وإذا كان الكثير من رموز الفكر الاسلامي اليوم قد آمنوا بضرورة إعادة النظر فيما ذكرناه آنفاً فيما يخص الفقه السياسي، الا أن الأمر لا يكاد ينطبق على الفقه الاقتصادي، رغم أني أجد أن الاختلاف بين الأمس واليوم في المجال الاقتصادي والمالي أكثر اتساعاً، وأشد تبايناً.

فعلى سبيل المثال، اختفى نظام المقايضة والمبادلة من الأسواق، وأصبحت الغلبة للعملات كوسيط للتبادل التجاري، كما أن دور الذهب والفضة –العمود الفقري في النظام المالي قديماً- انحسر بشكل كبير، وانتقل التنافس إلى الدولار واليورو والين، وبنظرة خاطفة إلى الأسواق نجد أمور ما كانت لتخطر على بال الفقهاء من الرعيل الأول كالتحويلات البنكية العابرة للقارات، والتداول الالكتروني، وسوق الأسهم، التجارة الالكترونية، إضافة إلى النظام البنكي برمته.

ولا يقتصر الأمر في النظام الاقتصادي في الاسلام على النظام المالي لوحده، ولكنه يتسع ليشمل نظام الوقف، وأحكام الزكاة، وأحكام المعاملات في البيع والشراء، والوكالة والإجارة، والزراعة والصناعة، والسياحة والخدمات، وهي الأمور التي طرأت عليها تغييرات جذرية من كافة النواحي، والأمثلة أكثر من أن تُحصى.

ومما يؤسف له أن الأغلبية العظمى من الباحثين والمفكرين في الاقتصاد الاسلامي ما زالوا يتمسكون بنقولات العلماء وكتب التراث، وكثيراً ما يبنون أحكامهم عليها، فيقيسون على ما قاله شيوخ المذاهب الأربعة، ويحاولون ليّ المعاملة المعاصرة ليستقيم القياس مع مسألة مشابهة حدثت في عصر الأوّلين – وهي أبعد ما تكون عن التشابه –، ومما يؤسف له أيضاً أن نجد مدارس الاقتصاد الاسلامي في شتى المعاهد والكليات تقوم بالتركيز على تدريس الفقه الاقتصادي وأحكام المعاملات من كتب التراث والمذاهب الأربعة على حساب أصول الفقه وطرق استنباط الأحكام.

نحن لا ندعو إلى الاستغناء عن تراثنا الاسلامي، ولكننا ندعو إلى الرجوع إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والتي جاء بها الوحي فهي أصول عامة صالحة لكل زمان ومكان، دون محاولة الرجوع إلى نقولات العلماء الذين كان فهمهم بناء على ما شاهدوه في عصرهم من معاملات بين الناس –قبل أن يعرف الناس وسائل الاتصال الحديثة من تكنولوجيا وكمبيوتر واتصالات بألف عام-، كما ندعو للاهتمام بتدريب وتعليم المهتمين بدراسة الاقتصاد الاسلامي على أصول الفقه وطرق استنباط الأحكام أكثر من الاهتمام بالاطلاع على أحكام وصور لمعاملات لم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر.

أتمنى أن أشهد اليوم الذي أجد فيه رجالات الفكر الاقتصادي في الاسلام قد حذوا حذوا رفقائهم في المجال السياسي، ونفضوا غبار الماضي، وأعادو كتابة فقههم بما يتناسب مع عالم اليوم الذي أستطيع فيه بكبسة زر أن أشتري حذاء لابنتي من متجر في أوكلاهوما وأدفع ثمنه من البطاقة الائتمانية لصديقي المتواجد في لندن.

الأحد، 15 أغسطس 2010

رحلتي مع غازي القصيبي



التقيته بداية في "استراحة الخميس"، وعرفت منذ الوهلة الأولى أنه ليس "رجل جاء وذهب"، بل هو رجل جاء ليبقى، رجل جاء لهذه الدنيا لتبقى سيرته "حياة في الإدارة"

عرفته أستاذا ومحاضرا، وزيرا وسفيرا، كان ومازال يقف و"التنمية وجها لوجه"، يبذل جهده وماله ووقته كي يقدم الحل عن "التنمية والأسئلة الكبرى" على طبق من ذهب للأجيال القادمة.

كان محبا للشعر ذواقا له، وهناك "في خيمة شاعر" التقيته للمرة الثانية، لتبدأ الأمسية ب"أشعار من جزائر اللؤلؤ" وتنتهي ب"قوافي الجزيرة" 

كان واسع الثقافة شديد الاطلاع على "إلمام بغزل الفقهاء والأعلام"، أحدث "ثورة في السيرة النبوية" بتساؤلاته المشروعة وآراءه القائمة على فهمه للنصوص، فيتم تسليط "أضواء على الأنباء" ويشن أبناء القبيلة عليه حربا لا هوادة فيها

دعوني "عن قبيلتي أحدثكم"، اتهموه في دينه ونعتوه بالشاعر الضال مستشهدين بسورة الشعراء، مما جعلني أتساءل "من هم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون؟"، و"حتى لا تكون فتنة"، كتب "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة" ليصبح ك "الأشج" مجروح الكرامة ومردود الشهادة

في ذلك الحين بدأ "الخليج يتحدث شعرا ونثرا" عن مشاكل "العولمة والهوية الوطنية" و"الغزو الثقافي" فلم أجد بدا من إكمال تعليمي بين "أمريكا والسعودية" ومصر ولندن، ف "في رأيي المتواضع" أن داوها بالتي كانت هي الداء.

ذهبت الى "بيت" غازي طالبا مشورته، فوجدته قد سبقني إلى هناك، لحقت به في بلاد الغربة، استقبلني بابتسامته المعهودة ولطفه الأخوي، وتلا علي شيئا من "أبيات القصيد" قبل أن يأخذني إلى "شقة الحرية" حيث محل إقامتنا.

قدمني بداية لرفقاء السكن، فأصبحت الشقة تحوينا نحن الأربعة، أنا وغازي وناجي و"سحيم".

في محطات الغربة حدثت "مصاحات ومغالطات وقضايا أخرى"، وتعرفنا فيها على "سبعة" رجال، كان منهم الفيلسوف والشاعر، السياسي والنفساني، رجل الأعمال والإعلامي، تجمعهم "معركة بلا راية" وادعاء كاذب بأن كل ما يقومون به هو خدمة للقضية و"للشهداء"

انهينا سويا تعليمنا، وجاءنا "صوت من الخليج" يحثنا على "العودة إلى الأماكن القديمة"، لكني اخترت "العودة سائحا إلى كاليفورونيا"، وهناك قرر غازي أن يجمعني بفريد زمانه، ووحيد عصره "أبوشلاخ البرمائي"، الذي ما أن رآنا حتى شرع في الحديث "عن هذا وذاك"

كان لأبي شلاخ مئات المغامرات وآلاف القصص العجيبة الغريبة، فكانت "تجربة اليونسكو ودروس الفشل"، وكانت مغامرته الأشهر والأكثر إثارة مع "الجنية" المغربية.

عدنا إلى لندن ليستلم "سعادة السفير" مهامه الرسمية بعد أن أوصى به أبوشلاخ، وكان لابد في البداية من "قراءة في وجه لندن" قبل أن نغادر إلى باريس لحضور مؤتمر "دنسكو" كأولى المهام الرسمية

لم يمر وقت طويل على مكوثنا في لندن، حتى جاءتنا دعوة لحضور حفل راقص على شرف "الأسطورة ديانا"، وهناك كان منعطف آخر لقصتي

لمحت غازي يقف "مع ناجي ومعها"، اتجهت ناحيتهم فألقت الي بنظرة وكأنها تعرفني، فرددت "يا فدى ناظريك"، أخذتها جانبا لأسمعها أول "أبيات غزل" ألهمتني إياها وأقطف لها "مئة ورقة ياسمين" من شرفة القصر الملكي

هناك في "حديقة الغروب" حيث تلتقي أرواحنا، نروي عطشنا ب"قطرات من ظمأ"، أهديها "عقد من الحجارة" و"مئة ورقة ورد" لتصنع منها "ورود على ضفائر سناء"

قضيت السنوات اللاحقة أعيش "حكاية حب" مع "سلمى" وأعمل مع غازي الذي لا يكف عن طلب "المزيد من رأيي المتواضع" في شتى المجالات والقضايا التي تعرض له، ولم أكن أبخل عليه ب"أقوالي غير المأثورة"

ثم حدث ما لم يكن بالحسبان وجاءت "أزمة الخليج، محاولة للفهم"، وكنا بحكم موقعنا "في عين العاصفة"، فكانت العودة إلى أرض الوطن و"باي باي لندن" ووداعا سلمى

أنزل في أرض المطار، عائدا إلى مدينتي التي غبت عنها لسنوات وسنوات، أتعجب مما حولي، تصيبني الدهشة، أقبل الأرض وأخاطبها قائلا: "أنت الرياض" وها قد عدت إليك، هنا ولدت وهنا سأموت.

أصابتني "الحمى" لفراق سلمى، واختفى "اللون عن الأوراد" لأقضي الأيام اللاحقة في "العصفورية" أكتب "أبيات القصيد" وأقرأ "قصائد أعجبتني" لعلي أستعيد عافيتي أو أموت ب"الزهايمر".

كان غازي يرقبني من بعيد ليكتب "سيرة شعرية"، ويرثيني"مرثية فارس سابق" متحدثا عن عاشقين "هما" أنا و"سلمى".


السبت، 1 مايو 2010

توم في أيسلندا

يقف القط "توم" مزهوا بنفسه أمام الفأر "جيري" وهو يحمل في يده المحلول السحري، يبتسم ابتسامة خبيثة ويرمق "جيري" بنظرة احتقار، ثم يرشف الدواء بجرعة واحدة، وماهي إلا لحظات حتى يبدأ –على غير المتوقع- بالانكماش والانكماش والانكماش والانكماش، ويتضاءل حجمه فيصير كأمثال الذر أمام جيري الصغير، ويفر مذعورا يلاحقه "جيري" بشماتة، تبدأ الشاشة المربعة بعد ذلك بالتحول إلى دائرة تصغر تدريجيا معلنة انتهاء الحلقة.


مشهد محفور في ذاكرتنا من البرنامج الكرتوني الشهير، نبتسم له ونتفاعل معه، ولكن هل شعر أحدنا بما شعر به القط المغرور وهو ينكمش، هل يستطيع أحدنا أن يصف الحالة النفسية ل"توم" وهو يتقزم في لحظات ليجد نفسه فجأة بلا حول ولا قوة أمام عدوه التقليدي.


بالأمس القريب، بدأت أدرك هذا الشعور، وأحسست كم نحن بني البشر أقزام وضئيلي الحجم والتفكير أمام قدرة الله عز وجل، كم أنت مغرور يا بني آدم، ترتقي في مراتب العلم حتى تظن بنفسك أنك قد بلغت المدى، وتحاول محاكاة الانفجار الكوني العظيم في تجربة قد تكون الأكبر والأضخم في تاريخ البشرية، ولكنك تغفل عن حقيقة "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً"، تحرث الأرض برا وبحرا وجوا، وتمتلك أسباب المنعة والقوة والثراء، ثم تتكبر كأجدادك، فينفث فمك قيحا ودماً متمثلاً مقولة قارون "َإِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي".


هناك، وعلى بعد970 كيلومتر من أقرب نقطة للبر الأوروبي، في أقصى شمال غرب أوروبا، يثور بركان واحد من أصل عشرات البراكين هناك، فتصاب حركة الطيران الأوروبية بالشلل التام، وتقوم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأيرلندا وألمانيا وفنلندا والسويد والدانمارك والنرويج وإسبانيا ولاتفيا وليتوانيا واستونيا وهولندا وبلجيكا والنمسا وسلوفاكيا وبولندا والتشيك والمجر وهنغاريا وسويسرا ورومانيا وبلغاريا وتركيا وأوكرانيا وكرواتيا وصربيا بإغلاق عشرات المطارات أمام رحلات الطيران، مسببة خسائر اقتصادية تقدر ب 250 مليون دولار يوميا، وتتأثر حركة الطيران في 313 مطار حول العالم، وتم إلغاء أكثر من 95 ألف رحلة حتى الآن، ليتأثر بذلك ملايين المسافرين حول العالم، الأمر الذي دعا منظمة الطيران الدولية على الاعتراف بأن تداعيات بركان آيسلندا أسوأ بكثير من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.


سيناريو، لم يكن جيمس كاميرون قادرا على تصوره في محاولته لإخراج رائعة أخرى، وقصة لم تكن لتخطر له على بال في مساعيه الحثيثة لحماية البيئة, ولكنها  قدرة الله العظيمة التي تدهش البشر، مذكرة إياهم بأن الكون بيد الله يفعل به ما يشاء، وصدق الله العظيم إذ يقول: "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَر"، "وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا".





دول تمنح تأشيراتها للجميع تيسيرا للعالقين، وأخرى تكدس الشاحنات أمامها لعدة أيام في صيف أغسطس القائظ.


دول تتساهل وتفتح حدودها وأراضيها للقادمين ببطاقة الهوية، وأخرى ترفض الهوية بسبب "شخطة قلم"


ثم نتساءل مستغربين، لماذا يتقدمون إلى الأمام، ونحن نعود إلى الخلف!!!!!!


 

الاثنين، 1 فبراير 2010

الإخطبوط الإعلامي



الإخطبوط ذلك الحيوان المميز من الأحياء المائية، له ثلاثة قلوب، وهو الحيوان الأذكى في عالم اللافقاريات،  له 8 أذرع طويلة مجهزة ب240 شفاطة (فم لاصق) يستخدمها للإمساك بفرائسه، وتفوق قدرته على الإحساس قدرة لسان الإنسان بعشر مرات، ويستطيع الإخطبوط أن يغير لونه في أقل من ثانية ليناسب البيئة التي يختبئ بها في انتظار فرائسه، وهو ينمو ليصل إلى أحجام عملاقة قد تصل إلى 18 مترا، كما يتميز بسرعة السباحة، ومما هو جدير بالذكر أن التكاثر عند الإخطبوط يجري عن بعد دون اتصال بين جسديهما، ومن المفارقة المثيرة أن أنثى الإخطبوط تموت مباشرة عقب الولادة


وقد فطن اليهود لصفات الإخطبوط وتركيبه الجسدي، وعرفوا أهمية ساحات الإعلام، فعمدوا إلى التشبه به، فكان الإخطبوط الإعلامي اليهودي، الذي امتدت أذرعه إلى كل وسائل الإعلام العالمية بدءا من عام1776م حين أعلنت جمعية النورانيين اليهودية هدفها الرئيسي بالسيطرة على الصحافة للتحكم بالأخبار قبل وصولها إلى الناس، مرورا بخطاب حاخام براغ الشهير في عام 1869م حين قال “إذا كان الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم ، فإن الصحافة ينبغي أن تكون قوتنا الثانية”، وليس انتهاء بمؤتمر بازل برئاسة هرتزل عام 1897م حين أشار البروتوكول الثاني عشر صراحة إلى أهمية السيطرة على كل ما يتعلق بالنشر والطباعة


الذراع الأولى للإخطبوط الصهيوني امتدت للصحافة، فقد استغل اليهود الأزمات التي تمر بها كبريات الصحف العالمية للسيطرة عليها، فاستولوا على صحيفة “التايمز الإنجليزية” بعد أزمة مالية خانقة وشقيقتها الصغرى “الصنداي تايمز” وصحيفة “الديلي اكسبرس” اللندنية، كما سيطر اليهود على “الديلي نيوز” و”نيويورك تايمز” و”الواشنطن بوست” و”التايمزهيرالدالأمريكية بعد أزمات مماثلة، إضافة إلى امتلاكهم لصحيفة “النيويورك بوست” والصحيفة الاقتصادية الشهيرة (Wall Street Journal) التي وصحيفة “ذا دايلي ميرور” و”ذا دايلي تلغراف” . 


وكانت الذراع الثانية متجهة نحو المجلات، لتلتصق مجساتها بمجلة الشمس (The SUN) و(News of the World) و (Weekend) في بريطانيا، ومجلة ناشيونال جيوغرافيك الأمريكية، كما يمتلك اليهود عشرات الصحف والمجلات الأخرى في فرنسا وكندا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا


وهاهي الذراع الثالثة تمتد إلى وكالات الأنباء العالمية، التي تقوم بتزويد محطات الإذاعة والتلفاز والجرائد والوكالات الصحفية بالأخبار العالمية والمحلية بكافة المجالات، وكما هو معلوم فإن الوكالات الخمس الكبرى -رويتر الإنجليزية، هافاس الفرنسية، تاس الروسية، الأسوشيدتدبرس واليونايتدبرس الأمريكيتين- تتحكم ب80% من الأخبار، وتمتد الذراع الثالثة إلى الوكالات الخمس، فالمدير العام في هافاس يهودي ورويتر أسسها يهودي، ولا يخفى على أحد السيطرة الصهيونية على الوكالات الأمريكية.


وكانت الإذاعة التلفزيون هما الضحيتان اللتان وقعتا بيد الذراع الرابعة، فمحطة “صوت أمريكا” الإذاعية تقع تحت السيطرة اليهودية، وهيئة الإذاعة والتلفاز البريطانية يضع سياستها اليهود، وشبكات التلفاز الأمريكية وهي أقوى شبكات التلفاز في العالم، يسيطر عليها اليهود، فهم يسيطرون على أشهر ثلاث شركات تلفازية في أمريكا وهي (A.B.C) و (C.B.C) و (N.B.C) من خلال السيطرة على أهم المناصب في هذه المؤسسات كمنصب الرئيس والمدير العام بالإضافة إلى المئات من المحررين والمراسلين والمصورين والفنانين والفنيين والإداريين من اليهود علاوة على الدعم المالي الذي يقدر بالمليارات، والذي تتلقاه هذه المؤسسات في صورة إعلانات من مؤسسات وبنوك يهودية


السينما وشركات الإنتاج هي الفريسة الخامسة للإخطبوط، فاليهود يمتلكون شركة (I.T.V) وشركة غرانادا البريطانيتين، كما يمتلكون شركة مياكون للإنتاج التلفازي وكانون للإنتاج السينمائي وهما من أشهر شركات الإنتاج في أمريكا، وقد أصبح اليهود سادة صناعة السينما العالمية، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن أكثر من 90% من مجموع العاملين في الحقل السينمائي الأمريكي إنتاجاً وإخراجاً وتصويراً وتمثيلاً ومونتاجاً هم من اليهود، ومن أشهر الشركات السينمائية اليهودية شركة “فوكس” و”مترو غولدين ماير” و”بارامونت” و”يونايتد أرتستس” والشركتان الأشهر (Universal) و (Warner Brothers) والتي لا يجهلها أحد من رواد السينما


وليس من المستغرب أن تمتد الذراع السادسة إلى وسيلة الإعلام الأعرق، والتي كان لها ذلك التأثير الكبير على سمعة اليهود في العالم من خلال مسرحية شكسبير الشهيرة “تاجر البندقية، فسيطروا على أعرق المسارح العالمية وهو المسرح الملكي الإنجليزي الذي تمتلكه شركة المسارح البريطانية المملوكة لليهودي اللورد لوغريد، كما استولى اليهود على إدارة مسرح أوبرا فيينا ذات الشهرة العالمية


ولم تكتف الأذرع اليهودية بالامتداد إلى وسائل الإعلام، بل تعدتها إلى الصناعات المساندة، فامتدت الذراع السابعة لتلصق شفاطاتها في شركات الإعلانات مصدر التمويل الرئيسي لوسائل الإعلام، وتحتكر جزئيا أو كليا صناعة الأفلام الخام المستخدمة في السينما والتلفزيون، وصناعة الورق والأحبار وآلات الطباعة


وبقيت الذراع الثامنة بيد إمبراطور الإعلام اليهودي الأسترالي روبرت مردوخ الذي أنشأ إمبراطورية “نيوز كورب” الإعلامية يديرها ويتحكم بها كيفما يشاء، فاشترى بها “ذا نيوز أوف ذا وورلد” أكثر الصحف الإنكليزية شعبيةً بين القراء في العالم، والصحيفة الصفراء “ذا صن” التي تبيع أكثر من ثلاثة ملايين نسخة يومياً، كما اشترى بها صحيفة “التايمز” و”النيويورك بوست”، وافتتح شبكة “سكاي” التلفزيونية المسيطر الوحيد على سوق القنوات التلفزيونية المدفوعة في بريطانيا، وأسس قناة “فوكس نيوز”  الإخبارية وشبكة “فوكس” في الولايات المتحدة ، وتمتلك شركة مردوخ اليوم عشرات الصحف حول العالم، وقناةناشيونال جيوغرافيك”، بالإضافة إلى شبكة “ستار” التي تغطي بقنواتها الثلاثين كلاً من: الصين، الهند، باكستان، فيتنام، سنغافورة وغيرها، كما تمتلك الشركة عدداً من المجلات ودور نشر الكتب، وشركة للإنتاج السينمائي وهي المنتجة لفيلم “تايتانيك، كما تمتلك على شبكة الإنترنت موقع “ماي سبيس”، ومردوخ يعد من أقوى الشخصيات على مستوى العالم وله تأثير كبير في مجال النفوذ والقوة السياسية، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، وباستثناء الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، لم ينجح أي مرشح إلى رئاسة في أمريكا أو لرئاسة مجلس وزراء في بريطانيا، إلا إذا كان مدعوماً من قبل مردوخ، كما أن المخاوف تحيط بمدى قدرة مردوخ بالسيطرة على عالم المال بعد سيطرته على أهم صحيفتين اقتصاديتين في العالم “ذا فاينانشيال تايمز” البريطانية و”ذا وول ستريت جورنال” الأمريكية التي دفع فيها خمسة مليارات دولار أمريكي في صفقة “داو جونزالتي تشمل وكالة أنباء “داو جونز نيوز وايرز”، ومجلة “بارونز” للشؤون المالية، ومجموعة صحف “بارون”، ومجموعة مؤشرات بورصات بما في ذلك مؤشر داو جونز، ويخشى المحللون من أن يصبح مردوخ –بشخصه- لاعباً رئيساً في الأخبار المالية العالمية. 


لقد نجحت الصهيونية من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام العالمية من صحف ومجلات وسينما وتلفزيون وفضائيات وإنترنت وغيرها في جعل الرأي العام العالمي أسيراً لها، فنجحت في جعله لا يرى شيئاً إلا من خلال العين الصهيونية، ولا يسمع شيئاً إلا من خلال الأذن الصهيونية، ولا يقول شيئاً إلا من خلال الفم الصهيوني، ولا يكتب شيئاً إلا من خلال اليد الصهيونية، وهو الأمر الذي مكنهم من تدمير المجتمعات وإفساد أخلاقهم، ليتسنى لهم السيطرة على العالم سياسيا واقتصاديا.


إلا أن العرب انتفضوا من غفوتهم ليبدؤوا بمنافسة الإخطبوط الصهيوني بإطلاق أكثر من 200 قناة أغاني، كما قام رجال الأعمال العرب في مصر ولنان وقطر والجزائر وتونس مشكورين باستثمار أكثر من 460 مليون يورو في كثر من 320 قناة فضائية إباحية على الأقمار الأوروبية، ولم ينسى الشيعة دورهم فأطلقوا أكثر من 50 قناة شيعية للطم والكذب.  


ورغم أن القدوة الأولى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- كان عبقريا إعلاميا، وكانت مهمته إعلامية بالدرجة الأولى، وكان أول من أسس لإعلام إسلامي ومارسه بفنونه المختلفة، وهو الذي عرف أهمية الإعلام وأثره فوجه أصحابه لرمي المشركين بشعرهم وقصائدهم كأقوى الوسائل الإعلامية في ذلك العصر، إلا أن أبناء الإسلام اليوم قد استيقظوا متأخرين، ولم يستشعروا أهمية هذا المجال إلا مؤخرا. 


شمعة مضيئة: قناة الرسالة وشبكة المجد نجمتان مضيئتان في سماء الإعلام تستحقان كل الشكر والتقدير.  

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2009

دبي، عام على الأزمة (دروس وعبر)

إذا أتتك مذمتي من ناقص ..................................... فهي الشهادة لي بأني كامل



 
...............................................................................................................


في التاسع عشر من نوفمبر 2013 انهارت بورصة كمبياسا انهيارا تاما، وفي الثامن من مارس 2016 أعلنت شركة لالابيبا إفلاسها وخسارتها لأكثر من مليار دولار، وفي الرابع والعشرون من يوليو 2017 هبطت أسعار العقارات إلى الحضيض في سمنكا مما أدى إلى انهيار العديد من البنوك وشركات الاستثمار وتضرر قطاع عريض من المواطنين والمقمين.


ما الذي حدث بعد ذلك؟ خبر صغير في إحدى الصفحات الداخلية لجريدة كرياتو وجريدة جرينجو.


...............................................................................................................


رئيس البورصة في وول ستريت يصاب بالزكام، ويغيب عن العمل اضطراريا، فتبدأ التكهنات والتوقعات حول سبب الغياب، مما يثير الرعب في أوساط البورصة، لتهبط أغلب الأسهم عند حدودها الدنيا، وتتأثر أسواق المال في جنوب شرق آسيا وشمال غرب أوروبا، وتصدر صحيفة النيويورك تايمز ملحق خاص عن تداعيات الأزمة.


عمدة لندن تصاب ابنته بمرض غامض، يضطر على إثره لعرض منزله الواقع في وسط لندن بسعر رخيص نسبيا للحصول على السيولة على وجه السرعة، فتهتز لندن لذلك الخبر وتهبط أسعار العقارات أكثر من 30 % في كافة أنحاء أوروبا، ويسحب المستثمرون أموالهم من الأسواق الغربية في أوروبا وشمال أمريكا، وتتأثر المشاريع التنموية في القارة السمراء لعجز الدول المانحة عن التمويل.


في اليوم التالي، تتصدر أخبار الأزمتين الصفحات الأولى في كبريات الصحف العالمية ، وتصدر التايمز اللندنية و الواشنطن بوست الأمريكية ملاحق خاصة حول الموضوع، وتقدم الCNN  والBBC  نشرات إخبارية على مدار الساعة لمتابعة تطورات الأحداث.


...............................................................................................................


يحق لإمارة دبي أن تفخر، بأن طلب إحدى الشركات الخاصة التي تتخذ من دبي مقرا لها تأجيل ديونها يؤدي إلى كل هذه الضجة والبلبلة، ويثير الفزع في كل أنحاء العالم، وهو الأمر الذي يدل على قوة الإمارة وأنها قد استطاعت أن تتبوأ مكانة مرموقة وتصبح أحد اللاعبين الرئيسيين في أسواق المال والإقتصاد لا العكس كما يحاول أن يروج البعض.


...............................................................................................................


بعد أحداث سبتمبر 2001 تنبأ الكثيرون بانهيار الولايات المتحدة الأمريكية كنتيجة طبيعية لانهيار البرجين، وهاهي أمريكا وبعد 8 سنوات وعدة حروب مرهقة اقتصاديا ما زالت تتحكم في الاقتصاد على مستوى العالم، وما زال الدولار عملة التداول الرئيسية في كافة المعاملات التجارية الدولية مشكلا مع النفط والذهب ثالوث الاقتصاد المقدس.


أمريكا رغم إدعاء البعض بأنها مثقلة بالديون، يتجاهلون بأن العبرة ليست في حجم الدين نفسه، وإنما بما لك وما عليك، لن أجادل في حقيقة أن أمريكا هي صاحبة أكبر مديونية في العالم تتجاوز ال13 تريليون دولار، ولكنها في الوقت نفسه هي صاحبة أكبر ناتج في العالم يقدر بأكثر من 14 تريليون دولار (نسبة الديون إلى الناتج 93%)، ويعرف علماء الاقتصاد جيدا بأن هذه نسبة مثالية بأن يكون الدين الخارجي أقل قليلا من الناتج المحلي (تعتبر الجزائر صاحبة أقل نسبة في العالم حيث لا تتعدى ال3%، وهي ليست أقوى دولة اقتصادية بالطبع)، وهو ما يضع أمريكا حتى اللحظة في موقف تنافسي واقتصادي قوي متفوقة على كل دول الاتحاد الأوروبي بما فيها ألمانيا وفرنسا، وبريطانيا التي يفوق فيها الدين الخارجي إجمالي الناتج المحلي بأكثر من الضعف (178%و 236%و 408% على التوالي)، كما تستهلك أمريكا قرابة نصف إنتاج العالم من النفط الخام لتحريك عجلة الحياة على أراضيها.


أمريكا ليست برجين فقط !!!!!!


...............................................................................................................


وكذلك الحال في دبي، فدبي ليست نخلة في البحر، دبي هي نقطة التقاء الشرق والغرب، دبي هي بنية تحتية قوية وبيئة استثمار مثالية، دبي هي ملتقى رجال المال والأعمال وأرض الصفقات (تتشارك دبي مع هونغ كونغ وسنغافورة بأكبر عدد من المعارض في العام تقام على أراضيها)، دبي مدينة تجارية قبل أن تكون أرض عقارية، دبي مدينة الفرص وأرض الأحلام.


...............................................................................................................


رغم إيماننا بقدرة دبي على الصمود والارتقاء عاليا، وأن الأزمة ماهي إلا سحابة صيف ما تلبث أن تنقشع، إلا أن على المسؤولين في دبي استخلاص العبر من الأزمة، وعدم الجلوس في برج عاجي يحول دون الاستفادة من تجارب الآخرين ومن السنن الكونية، وتتلخص هذه الدروس والعبر فيما يلي:

  • إن الإصرار على التعاملات الربوية يقود المجتمعات إلى الهاوية.

  • ضرورة توجيه أغلب رؤوس الأموال الإسلامية صوب مشاريع التنمية الحقيقية (قطاع الصناعة والزراعة) وأن تكون الاستثمارات في القطاعات الأخرى (السياحة والعقار) استثمارات مكملة.

  • أهمية الاهتمام بالطبقة الوسطى، فنسبة كبيرة من ديون دبي كان سببها المشاريع العقارية الموجهة للأثرياء، وتكمن المشكلة في قلة أعدادهم وانسحابهم عند أول أزمة، ولو كانت هذه المشاريع موجهة للطبقة الوسطى لاستمرت عمليات البيع والشراء دون تأثير يذكر.

  • التحلل الأخلاقي، والتحرر والانحلال، والاستثمار في الأنشطة المحرمة (الدعارة، الخمور، القمار) لن يجلب إلا الخراب والدمار للمجتمعات الإسلامية تصديقا لقوله تعالى:


"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"


"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً"


"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ"



الجمعة، 1 مايو 2009

صبوا الشاي، وارتاحوا من الأزمة

“وعندك واحد شاي كشري للأستاذ وصَلَّحُه”




 
كثيرا ما نسمع هذا النداء الأثير لدى عمال المقاهي في كل مكان، النداء الذي تستطيع تمييزه من بين عشرات النداءات، وإذا ما جلست في أي مقهى فأن أول ما ستسمعه  “تشرب إيه يا بيه؟”، أما إذا كنت زبونا مقيما فستجد طلبك المعتاد على المائدة حتى قبل أن تجلس. 


عم حنفي، والمعلم أبو حسن، وأسطى رضا اتفقوا جميعا بأن أكثر المشروبات بيعا وأسهلها في الإعداد هو الشاي “فالبراد على النار، والسكر والشاي في الأكواب” وانتهينا، ومرور سريع على أي من محلات الكرك يكشف هذه الحقيقة تماما


فلا غرابة إذن مما قام به المصريين من تغيير أغنية أم كلثوم الشهيرة والتي تغني فيها «إزاي إزاي إزاي أوصفلك ياحبيبي إزاي، قبل ما أحبك كنت إزاي» إلى «الشاي الشاي الشاي أوصفلك يا حبيبي الشاي، قبل ما تفطر اشرب شاي» 


الشاي أشهر مشروبات العالم وأكثرها متعة، الشاي وهو المشروب الذي يحظى بمكانة خاصة عند مختلف الشعوب والحضارات عبر التاريخ يلخص لنا دورة الاقتصاد، الاقتصاد الذي لا يخلو من أن يكون قائما على أحد القطاعات التالية: الزراعة، الصناعة بشقيها الثقيلة والخفيفة، النقل والمواصلات، التجارة، السياحة، قطاع الخدمات واللوجستيات


تبدأ القصة هناك في الصين والهند وسيلان، حيث يزرع الشاي وهو نبتة ذات أوراق خضراء على نطاق واسع، ليشكل جزءا من الدخل القومي، فتقوم العاملات بداية بجمع و قطف أوراق الشاي في فصلي الربيع والصيف، ثم تتم عملية التذبيل الأولى بغرض خفض الرطوبة لتسهيل تداول الأوراق في المراحل التالية، وبعد ذلك تبدأ مرحلة اللف ثم مرحلة التخمر بمختلف أنواعها للحصول على أنواع الشاي المختلفة كالشاي الأخضر والأسود، لتنتهي دورة صناعة الشاي بعد ذلك بالتجفيف النهائي.


ويعتمد المزارعون والعاملون في صناعة الشاي على الآلات والمعدات التي يتم استيرادها من اليابان وأمريكا وأوروبا في حراثة الأرض وسقيها، كما يعتمدون عليها في عمليات التذبيل واللف الآلي والتخمير في أفران عملاقة تحت درجات حرارة مرتفعة  والتجفيف والتغليف الالي، وصناعة هذه الالات والمعدات هي ما يطلق عليه الصناعات الثقيلة


كانت الصين أول من زرع الشاي واستخدمه، وتم تصدير أول شحنة من الشاي إلى هولندا في القرن السابع عشر، وكان حينها من المواد الباهظةً ومع الوقت توسع نطاق استخدامه، ليتابع رحلته الطويلة وينتقل من هولندا الى إنكلترا و ألمانيا، ولا يمضي سبعون عاماً حتى يقرر الإنجليز تأسيس شركة رائدة في تجارة الشاي وهي شركة الهند الشرقية، ولفترة طويلة من الزمن إشتهر الشاي الأسود المستورد من آسيا باسم “الشاي الروسي”, إذ كانت القوافل تنقله من روسيا إلى أوروبا، وشهدت صناعة الشاي إزدهاراً مهماً في القرن التاسع عشر مع مصنع الشاي الإنجليزي المعروف توماس ليبتون الذي تفنن في مزج أنواع الشاي وطرحه في الأسواق في علب جاهزة.


وأصبح الشاي تجارة رائجة يتم تداولها عبر المحيطات وتنتقل من بلد إلى بلد بالسفينة والطائرة والقطار والسيارة وكل وسائل النقل الأخرى، ليكتب الشاي فصلا جديدا في رحلته، قبل أن يحط رحاله أخيرا في إبريق من الفضة أو النحاس المذهب ليتم تقديمه مع شيء من “البرستيج” لأحد السياح في أحد الفنادق الفخمة، أو ينتهي به المطاف شاياً عادياً تشربه أنت في مقهى خان الخليلي، أو تشربه والدتك بعد شرائه من أحد محال التجزئة العاملة في قطاع الخدمات.


وهاهي دبي ورغم أنها ليست منتجاً أو مستهلكاً رئيسياً للشاي تنشئ مركزا لوجستيا متكاملا وهو “مركز دبي لتجارة الشاي، ليلبي كافة احتياجات ومتطلبات صناعة وتجارة الشاي من التخزين والتذوق والخلط والتعليب، كما يتيح فرصاً لتعزيز التواصل بين جميع الأطراف المعنية، ويقدم للتجار فرصة الحصول على التمويل اللازم مما يسهل عمليات البيع للمشترين.


أين نحن من ذلك في دوامة الأزمة الاقتصادية؟ وأين هي دبي تحديدا؟ والى أين سائرة؟ وكيف الخلاص؟ 


 للحديث بقية……….