الجمعة، 9 مارس، 2012

2.5% زكاة أم 25% ضريبة؟ (الحلقة الأولى)






أولت الدولة الاسلامية منذ نشأتها اهتماماً خاصاً بخزينة الدولة ومواردها المالية، وهو الذي أكسب بيت المال أهمية كبرى صبغت الطابع العام للدولةِ البِكر، فقد كان الرسول – عليه الصلاة والسلام – يعين الأمراء وعمال الأقاليم، ويوكل إليهم مهمة جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، وأحياناً كان يرسل عمالاً مختصين لجمع مستحقات الدولة من الأموال المختلفة، وقاد الخليفة الأول أشرس معاركه في حروب الردة ضد مانعي الزكاة بعد مقولته المشهورة  "والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم عليه"، وقصص عمر بن الخطاب في الحفاظ على أموال بيت مال المسلمين لا تخفى على أحد، وقد استغل أعداء الدين هذه الثغرة في خلافة عثمان بن عفان –رضي الله عنه- لإثارة الفتنة وتأليب الناس للخروج على الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان.

وأصبح بيت مال المسلمين يمثل العصب الرئيس لاقتصاد الدولة الإسلامية قديماً وحديثاً، وقد أرسى الفكر الاقتصادي الاسلامي دعائم هذا النظام، فحدد مصادر الدخل الرئيسة لتغذية خزينة الدولة بما تحتاجه من موارد مالية مستمرة للقيام بأعباء إدارة الدولة وتلبية احتياجات أبنائها ومواطنيها، وتتنوع واردات بيت المال لتشمل الزكاة، الخراج والجزية والعشور، الغنائم والفيء، والأوقاف والصدقات.

الا أنه وبنظرة فاحصة نجد أن أغلب هذه الموارد هي موارد ظرفية، أي تتعلق جبايتها بظروف معينة  قد لا تتحقق، فلا يمكن التعويل عليها لضمان استمرار تدفق المال لخزينة الدولة، فالخراج والجزية والعشور هي جبايات وضرائب مفروضة على غير المسلمين عموماً، وتسقط باسلامهم على تفصيل بين العلماء، وأما الغنائم والفيء فهي ما يستولي عليه المسلمون من أموال العدو ومعداتهم بقتال أو بدون قتال، وبالتالي لا يمكن الركون إليها لارتباطها بفترات الحرب والفتوحات، وكذلك الأوقاف والصدقات لا يسعنا الاعتماد عليها لعدم فرضيتها، فهي تُدفع طواعيةً على سبيل التطوع والاختيار، وبالتالي لم يتبقى لبيت المال مورد رئيسي ثابت الا الزكاة -الركن الثالث من أركان الإسلام-.

وتختلف قيمة الزكاة باختلاف مصدرها، الا أن النسبة العامة هي 2.5%، والتي تُطبّق على أغلب أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة، وعلى النقيض من ذلك فإن المورد الموازي للزكاة في الفكر الرأسمالي وهو الضرائب تتراوح نسبته بين ال15% وال45% في أغلب دول العالم شرقاً وغرباً، وربما تتجاوز هذه الأرقام لتصل إلى 55% كما في بلجيكا والدنمارك، وذلك حسب الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها، ومستوى الدخل، ونوعية النشاط، وغيرها من العوامل التي تتحكم بنسبة الضرائب المفروضة.

وإذا كان الكثير من المفكرين الاقتصاديين في العالم الاسلامي يرون أن أداء المسلمين لزكاة أموالهم سيحل مشكلة الفقر في العالم الاسلامي، ويساهم في دفع عجلة التنمية للأمام بشكل أسرع، قد يتساءل أحدنا كيف ل2.5% أن تكون أكثر فائدةً وأجدى نفعاً من ال20 أو ال30%، وإذا كانت ال40% وال50% ما زالت غير قادرة على حل مشكلة الفقر بشكل نهائي، فكيف لهذه النسبة الضئيلة أن تحل هذه المشكلة علاوة على أن تساهم في التنمية؟!!!!!

وللإنصاف؛ فإن هذا التساؤل في محله، خصوصاً لمن يفترض بأن الزكاة والضريبة وجهان لعملة واحدة، وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من النظر بعمق إلى نقطتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بالتفريق بين الأموال التي تجب فيها الزكاة والأموال التي تُفرض عليها الضرائب، والنقطة الثانية بحاجة لتدقيق وتمحيص حول الآثار الغير مباشرة لكلا الأمرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق