الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

كريسماس أبو حصيرة


ماهذا السخف الذي نعيشه اليوم؟

 

أفهم تماماً أن يدخل أحدنا إلى مكتبه، فيلقي تحية الصباح على زميله المسيحي، ويهنئه بعيده من باب "الكلمة الطيبة صدقة"، كما أحترم تلك الفتاة التي تحتفظ بمعاني الودّ والوفاء لأصدقاء طفولتها فتتصل بهم في مثل هذا الوقت من العام كي تطمئنّ عليهم وتتمنى لهم أياماً سعيدة، وأفهم أن يحضر أحدنا هدية لزوجته (المسيحية) في يوم عيدها، وأقدّر ذلك الشاب المغترب الملتزم بدينه ومع ذلك لم ينسى أن يلقي تحية الصباح على زميل غرفته متمنياً له عيداً مجيداً.

 

 

ولكن ما لا أفهمه ولا أجد له معنىً هو أن تمتلئ صفحتي على الفيسبوك، بعشرات التهاني والتبريكات لإخواننا المسيحيين، وكأنه قد أصبح من (الواجب) علينا أن نبارك لهم أعيادهم، فما كان بالأمس يدخل في باب الأدب وحسن العشرة والمعاملة بالمثل، أصبح يدخل في باب (المندوب) أو ربما (الواجب)، وما كان حُكماً خاصّاً بمن يُخالِط أهل الكتاب ويعاشرهم، أصبح حكماً يشملُنا جميعاً، وما كنّا نفعله على استحياء ضرورةً أو استثناءً، أدباً أو دعوةً، أصبحنا نُجرّم من امتنع عنه ونتهمه بالتقصير في الدعوة إلى الله!!!

 

 

عملت في الشركات الأجنبية –الأمريكية منها والفرنسية- لمدة تزيد على الست سنوات، ولا أذكر يوماً أن ميشيل قد اتصل بي صبيحة عيد الإفطار ليتمنى لي صياماً مقبولاً، أو أن مايكل قد قام مشكوراً بإهدائي جرساً صغيراً أعلّقه على رقبة خروفي، كل ما أذكره هو أن طوني قد قابلني ذات مرّة عند المصعد فقال لي بلكنته اللبنانية (ينعاد عليك حبيب قلبي).

 

 

ومما أعجب له أيضاً هو ذلك الاتجاه المحموم نحو إبعاد مفهوم الدين في رسم حدود العلاقة التي تربطنا بالآخر، وإذا كان بعضنا يؤمن بأن الكثير من الغربيين لم تقم عليهم الحجة - ولهم كلّ الحقّ في ذلك، فهو رأي غير واحدٍ من العلماء-، وأنهم إخواننا في الإنسانية، وأن كثيراً منهم ربما يكونوا خيراً من كثير من المسلمين، فإن ذلك لا يعني بحالٍ من الأحوال أن ذلك يشمل نصارى العرب ومسيحييهم، فهؤلاء قامت عليهم الحُجّة بلا خلاف، وبالتالي فمن أراد أن يقوم بواجب (التهنئة) فأرجو أن يجعلها بالإنجليزية، ولو أصرّ على استخدام لغة القرآن، فليس هناك حاجة في أن يبدأ تهنئته بمخاطبتهم بكلمة (إخواننا).

 

 

لن أعترض على فعلكم، ولكم أن تُهَنِّؤوا من شئتم، ولكني أتمنى عليكم أن تكونوا صادقين مع أنفسكم، فتحترموا عقولنا، وتنصبوا ميزاناً واحداً عدلاً لا يكيل بمكيالين -لئلّا يُسيء فهمكم ضعاف النفوس مثلي فيتهمونكم ب(النفاق) و(التبعية)، وحاشاكم أن تكونوا كذلك-، كل ما أرجوه منكم أن تعاملوا الجميع بالمثل، فأفتح صفحتي يوم (النيروز) لأجد تهانيكم لإخواننا الفرس، وأفتحها يوم (الديوالي) لأجدكم قد أديتم الواجب في حق إخواننا الهنود، وألّا ننسى إخواننا وأبناء عمومتنا من اليهود في شتى بقاع الأرض في عيد فصحهم - بس يا ريت تستثنوا اليهود المقيمين في الأراضي المحتلة لأنهم أعداء-، وجلّ ما أتمناه أن تؤدوا الواجب في حق الأقليات من الدروز والعلويين والشيعة والبهائيين، فهم أكثر فرحاً بتهانيكم وتبريكاتكم.

 

 

أستأذنكم الآن كي أذهب لشراء الشمعدان كهدية لصديقي اليهودي، وهنيئاً مقدماً لإخواننا اليهود بمناسبة قرب احتفالهم بمولد "أبو حصيرة"أستأذنكم الآن كي أذهب لشراء الشمعدان كهدية لصديقي اليهودي، وهنيئاً مقدماً لإخواننا اليهود بمناسبة قرب احتفالهم بمولد "أبو حصيرة"أستأذنكم الآن كي أذهب لشراء الشمعدان كهدية لصديقي اليهودي، أستأذنكم الآن كي أذهب لشراء الشمعدان كهدية لصديقي اليهودي، وهنيئاً مقدماً لإخواننا اليهود بمناسبة قرب احتفالهم بمولد "أبو حصيرة"

الخميس، 13 ديسمبر، 2012

الثورة الفرنسية والدستور المصري



 
 
احتفل العالم قبل يومين باليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو اليوم الذي يصادف تاريخ اعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر يوم 10 ديسمبر 1948 حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي كان أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان، ويتألف من 30 مادة تتحدث بشكل مختصر عن حقوق الإنسان المكفولة لجميع الناس، بما فيها الحريات الأربعة التي اعتمدها الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية كأهداف رئيسية للحرب (حرية التعبير، حرية التجمع، التحرر من الخوف ،و التحرر من الحاجة).

 

ويعتبر هذا الإعلان من بين الوثائق الدولية الرئيسية التي تم تبينها من قبل الأمم المتحدة، ونالت تلك الوثيقة موقعاً هاماً في القانون الدولي، وما يعنيني في ذلك هو المرجع الذي قام عليه هذا الإعلان، حيث قام رينيه كاسان - والذي وضع مسودّة الإعلان – باعتماد "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789م كمصدر ومرجع رئيسي للإعلان.

 

وقد صدر هذا الإعلان مباشرة بعد نجاح الثورة الفرنسية في أغسطس 1789م، وذلك بعد أسابيع من سقوط الباستيل وإلغاء الإقطاع –رغم أن الثورة الفرنسية حينها لم تكن قد اكتملت بعد-، وأصبح الإعلان من وثائق الثورة الفرنسية الأساسية، وشكّل النواة الأولى لصياغة دستور الدولة، وتكمن أهمية هذا الإعلان في اعتماده كمرجع لكافة حركات التحرر في الدول الأوروبية بعد ذلك، وذلك لأن تأثير الثورة الفرنسية امتدّ ليصل إلى أوروبا والعالم، فكان من الطبيعي أن تستمدّ هذه الدول مرجعيتها من مهد الثورة الأول (فرنسا)، وقد حدث الأمر ذاته في الولايات المتحدة الأمريكية حين أصدرت الولايات الثلاث عشر المتحاربة مع بريطانيا العظمى –وعددها 13- إعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776م، والذي أصبح الإعلان المعتمد والمرجعية الأولى للولايات الأخرى فيما بعد، وقد غدت هاتين الوثيقتين الوثائق الأساسية في تفسير بنود الدستور في فرنسا والدول الأوروربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها الوثائق الأولى التي قامت عليها هذه الدول في ثوبها الجديد.

 

واليوم، وفي عصر الربيع العربي، وبعد ثورة الياسمين، كان حريّاً بأبناء تونس صياغة إعلان مماثل، يغدو مرجِعاً لكافة حركات التحرر في الوطن العربي في المستقبل، خصوصاً وأن عدوى الثورة التونسية قد انتقلت إلى بقية الدول العربية، كما حدث في مصر وليبيا واليمن وسوريا، ومن غير المستبعد أن تمتدّ العدوى لتشمل دولاً أخرى، مع ظهور أعراض ذلك في الأردن والسودان وبعض دول المغرب العربي.

 

إلا أن إخفاق التونسيون في ذلك، وضعف تواجدهم على الساحة السياسية بعد أن سحب المشهد المصري البساط من تحت أقدامهم، يجعل المسؤولية تنتقل إلى المصريين للقيام بهذا الدور، والذي لن تقتصر آثاره على مصر وحدها، بل سينتقل ليشمل دول المنطقة بأكملها، فأي إعلان أو دستور يصدر في مصر الجديدة اليوم، قد يغدو المرجع الرئيسي للعديد من الدول العربية لاحقاً في صياغة دساتيرها وبناء دولها وفق النموذج المصري، ولذا فإني أهيب بأهل مصر أن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يستشعروا ثقل الأمانة التي تقع على عاتقهم، فهم لا يحملون همّ مصر اليوم، ولكنهم يحملون همّ أمة، وصوتهم أمانة، فليصوتوا بما يدينون الله به، بعيداً عمّا يأمرهم رجال الكهنوت والدين، أو دهاقنة السياسة والإعلام، ولينظروا للدستور باعتباره دستور أمة، وليس باعتباره دستوراً مؤقتاً يسكّنون به آلامهم، أن ينظروا له باعتباره دستوراً لأجيال قادمة، وليس دستوراً يسيّرون به أوضاعهم المعيشية اليوم، مع خالص الأمنيات والدعوات لأهل مصر أن يلهمهم الله والرشد ويشدّ على أيدي المخلصين منهم، متذكرين قوله تعالى:

 

"وما رميت إذ رميت، ولكنّ الله رمى"
 
 
 

الأربعاء، 28 نوفمبر، 2012

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)
-نحو فقه التعامل مع المنافقين-
 
 
 
 
 
هناك من قلب مكة المكرمة، ومن غار حراء تحديداً ابتدأت الدعوة الجديدة، ومنها انطلقت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام نحو خلافة الله في أرضه، والتمكين لشريعته، لبناء الحضارة الإسلامية المنشودة.
 
وما كان للطريق أن يكون معبّداً لرحلةٍ كهذه، بل هو طريق وعر شديد الوعورة، مليء بالعقبات والمطبّات، فهي رحلة فريدة، لم يسبق لأحدٍ أن سلك طريقها من قبل، فكان لابدّ لها من سَبرِ أغوارٍ جديدة، واقتحام مناطق مغلقة وأبواب موصدة، رحلة ستسلك طريقاً جديداً متجاهلة كل الطرق الموجودة في ذلك الحين، فهي ترغب بشقِّ طريقٍ خاصٍ بها، تبنيه وفق أحدث المواصفات، فتعبّده وتجهّزه لمن يأتي بعدها واضعة كل الإرشادات والتوجيهات اللازمة على جانبي الطريق، فيستفيد منها العابر والسالك في طريقه نحو تحقيق معنى العبودية الكامل لله عزّ وجلّ.
 
وكذلك كانت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن معه، فاختياره للطريق الجديد صنع له أعداء كثر ممن يسلكون أو يملكون الطرق الأخرى، فكانت المرحلة الأولى في مكة حيث تعرّض فيها هو وأصحابه لشتّى أنواع العذاب والاضطهاد، وقد انحصر أعداؤه في تلك الفترة بالكافرين والمشركين، فلم يكن حينذاك تلك الفئة النشاز من (المنافقين) والتي لم تظهر بعد، فالمسلمون في حالة ضعف وانكسار، فليس لأعداء الله بالمنافقين حاجة.
 
ولكن حين أتمّ الرسول عليه الصلاة والسلام وضح حجر الأساس واللبنة الأولى للطريق الجديد، وبدأ المسلمون يرون بصيص النور الذي عاشوا لأجله، أطلّت تلك الحرباء برأسها وبوجوهها المتعددة، فظهرت فئة (المنافقين)، وبدأت تكيل المكائد والدسائس للمسلمين، فتارة تتحالف مع أعدائهم في الخارج، وتارة تحاول أن تشق الصف الداخلي، وتارة تحاول التأثير في القضاء وفي الأحكام المحمّديّة، فكانت بحقّ إحدى أكبر العقبات في طريق الدعوة المحمّدية.
 
فمن خلال أساليبها الخبيثة الملتوية، وبسبب وجودها ضمن النسيج الداخلي للمجتمع الأسلامي، فقد كانت تنخر في جسد الأمة المتماسك، محاولة بكل ما أوتيت من قوة أن تضعفه وتفتته فتصيبه في مقتل، ولولا فضل الله ورحمته لماتت هذه الدعوة في مهدها بسبب هذه الفئة، ولذلك كان التحذير منها قوياً وشديداً، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم تصريحاً 37 مرة، وسميت إحدى السور باسمها (المنافقون) تأكيداً على أهمية هذه الفئة والدور القذر الذي تلعبه ضد أمتنا، ناهيك عن المرات التي ذكرت فيها هذه الفئة تلميحاً لا تصريحاً في القرآن والسنة، رغم أن عمرها في حياة الرسول –عليه الصلاة والسلام- لم يتجاوز عدة سنوات، فسرعان ما اختفت هذه الفئة بعد الفتح المبين لمكة المكرمة، وبعد أن استكمل المسلمون أسباب القوة والمنعة ووضعوا الأسس المتينة لدولتهم الناشئة، ولم نسمع لهذه الفئة نهيقاً ولا عواءً ولا نبيحاً إبان فترة الحكم الراشدي في زمن أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم تعاود الظهور إلا حين ظهر الإنقسام بين فئتين من (المؤمنين) في ومن علي بن أبي طالب حيث وجدوا الظرف مناسب لبث سمومهم ونفخ ريحهم المنتنة.
 
ونحن هنا لا نتحدّث عن فئة المسلمين الذين ابتلاهم الله بشيء من صفات (المنافقين)، والتي لا يكاد يخلو منها أحد –إلا من رحم ربي- ، وإنما نتحدّث عن فئة تبطن (الكفر) وتُظهِر (الإسلام)، وهي وإن كانت محدودة في عصر الرسول –صلى الله عليه وسلّم- حيث يضطر (المنافق) إلى تغيير دينه كي يصبح جزءاً من (المسلمين)، فإنهم ليسوا مضطرون إلى ذلك في عصرنا هذا، فقد ولدوا وفي صفحة أحوالهم الشخصية تظهر الديانة أنهم (مسلمون).
 
خلاصة الأمر أن هذه الفئة لا تظهر في حالات الضعف والهوان للمسلمين، كما أنها سرعان ما تختفي حين يستكمل المسلمون أسباب المنعة والتمكين، وإنما ينحصر دورها في المرحلة الانتقالية، في المرحلة التي يبدأ المسلمون فيها بوضع أولى اللبنات نحو بناء الصرح الذي أمرنا الله بتشييده، وهي المرحلة التي ابتدأت بوادرها بعد الربيع العربي، بعد سنوات من الذل والهوان عاشها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فحريٌّ اليوم بأهل مصر وفلسطين تحديداً بدراسة فقه التعامل مع (المنافقين) بعمق ورويّة، عسى الله أن يدفع عنهم شرّ هذه الفئة، ويكتب لهذه الأمة أمر رشد.

الخميس، 8 نوفمبر، 2012

تفاوض الثعالب


 
 
قبل عدة أشهر، كنّا بصدد توقيع اتفاقية رئيسية مع إحدى الشركات الكبرى العاملة في قطاع الطاقة، وكانت قيمة العقد تقدر بمئات (الملايين) من الدولارات.

 

ولذا وجدنا أنه من المجدي إنفاق بضعة (آلاف) من الدولارات في التحضير الجيد والإعداد المسبق للتفاوض بما يحقق لنا أكبر قدر من المكاسب في هذه الصفقة، فقمنا بالتعاقد مع إحدى الشركات الأجنبية المتخصصة في تقديم الاستشارات الخاصة بالتفاوض وعقد الصفقات في مثل هذا النوع من العقود، وذلك لوضع خطة الطريق والأساليب والسياسات التي يتوجب علينا اتباعها في عملية التفاوض (متى نتحدّث؟ ومتى نلتزم الصمت؟ كيف ومتى نهاجم؟ وكيف ومتى ندافع؟ وهكذا)، وبما يتوافق ويتلاءم مع طبيعة هذه الصفقة تحديداً والمكتسبات التي نرغب بالحصول عليها.

 

بعد عدة أيام كان تقرير المستشار على مكتبي

بدأت أقلب صفحاته الواحدة تلو الأخرى، وأنا غير مصدّق لما أراه

بدأت بقراءة الفصل الأول، فالثاني، فالثالث، الفصل تلو الفصل، ثم أعود إلى صفحة الغلاف كي أتأكد أنه التقرير المطلوب، وأنه ليس هناك خطأ ما

 

فقد كنت أظن -لجهلي- أني سأقرأ شيئاً عاماً عن أساليب التفاوض

أن أقرأ معلومات عن الأسعار والأرقام وبعض المعلومات التفصيلية الخاصة بحركة السوق

أن أقرأ معلومات عن وضع المنافسين، وموقفهم من الصفقة

أن أقرأ عن الثغرات القانونية، والفجوات الفنية

أن أقرأ عن نقاط القوة والضعف عند الطرف الآخر

 

ولكن المفاجأة كانت في التقرير الذي خالف كل التوقعات

فلم يكن فنياً

ولم يكن إدارياً

ولم يكن تجارياً

ولم يكن قانونياً

وإنما كان اجتماعياً ونفسياً بامتياز

 

كان يضم فصلاً خاصأ لكل عضو من أعضاء فريق التفاوض عند الطرف الآخر

ماذا يحب؟ وماذا يكره؟

النادي المفضل، والطعام المفضل

العائلة، الأولاد، الاهتمامات، المعتقدات السياسية والدينية

الصفات، العادات، المهارات

أصحاب التأثير عليه من الأقارب أو الأصحاب، -للأمانة لم يذكر التقرير أن أحدهم كان يستمع إلى زوجته-

الطباع الذاتية، والصفات النفسية

وأخيراً النصائح والتوجيهات الخاصة بالطريقة المناسبة للتعامل مع كل شخصية، مع ذكر بعض الاقتراحات التي تبدو للوهلة الأولى أنها سخيفة وتافهة مثل:

"اجعل علّاقة مفاتيحك للنادي الفلاني"
 
"قم بتعليق لوحة للرسام الفلاني من المدرسة السيريالية التجريدية التكعيبية في غرفة الاجتماعات"
 
"افتح كمبيوتر العرض الرئيسي على صفحة لإحدى الحركات السياسية أو الجماعات الدينية، والتي يؤيدها أحد أعضاء الطرف الآخر -بالغلط يعني- ثم أنزلها بسرعة عند بدء الاجتماع"
 
"اجعل نغمة هاتفك: الأغنية الفلانية للمطرب الفلاني"

 
نصائح عامة، بفتح مواضيع جانبية مشتركة، يُخطّط لها بعناية كالحديث عن الأولاد والعائلة، فإذا كان أحد أعضاء فريق التفاوض عنده بنت عمرها 6 سنوات، فكل ما هو مطلوب مني في فترة الاستراحة أن أرفع هاتفي وأتحدث فيه قليلاً، ثم أعود إلى محدّثي لأشتكي له من ابنتي الشقية التي تتصل بي كل ساعة لتطلب مني شيئاً أو تخبرني بما فعلته والدتها، فيجدها فرصة كي يبادلني الحديث عن ابنته، وهكذا.

 
طبعاً أنواع (الشراب) المناسبة لكل واحد منهم، لأجل عشاء العمل.

 
 
 
الموضوع باختصار: رسائل نفسية غير مباشرة

 

ثم يأتي فصل خاص، يتحدّث بإسهاب عن الشخصية الأصعب (بالاسم) وعن كيفية التعامل معها، بما لا يَضُرّ بسير الصفقة، وهذه الشخصية قد تكون أي فرد في فريق التفاوض، فربما تكون المدير التنفيذي، أو القانوني، أو المدير المالي، أو ربما السكرتير، فالموضوع لا علاقة له بالمنصب، وإنما بطبيعة الشخصية

 

وأخيراً يأتي التقرير الفني، في فصل مقتضب عن وضع الشركة المالي، ومشاكلها الداخلية، والثغرات القانونية، والمنافذ التي نستطيع من خلالها تحقيق بعض المكاسب كسعر المنافسين، وحاجتهم للسيولة، وخسارتهم للعقد X لصالح الشركة المنافسة، وغيرها من الأمور التي نتوقعها في مجال المفاوضات

 

هذا كله في صفقة تجارية -صغيرة نسبياً- إذا ما قورنت بالصفقات التجارية الكبرى التي تقدّر قيمتها بالمليارات من الدولارات، فكيف إذن بالصفقات السياسية والعسكرية، والتحالفات الدولية؟


أترك لكم الإجابة

الاثنين، 23 يوليو، 2012

خواطر قرآنية (3) - وقود الطائرات

وقود الطائرات هو أجود أنواع الوقود وأغلاها وأنقاها، وللحصول عليه لابدّ من المرور بالعديد من مراحل التصفية أكثر من أي وقود آخر، فهو الوقود الذي سيجعلنا نحلّق في السماء، ونقطع المسافات البعيدة في زمن قصير.



وكذلك البشر، فإن أعظم الناس هم أولئك الذين يمرون بنجاح عبر مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى، فهم الذين سيحلقون بنا في السماء، كي ينقلونا من حال الى حال، فلابدّ لهم أن يكونوا أزكى الناس وأنقاهم.



جاءتني هذه الخواطر وأنا أتأمل في قصة طالوت وصراعه مع جالوت، حيث تعددت مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى.



بدأت المرحلة الأولى حين أبدى القوم رغبتهم بالقتال:

"ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله"، فكانت أولى التصفيات للتخلص من القاعدين والجبناء والمتخاذلين "فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم"



ثم جاءت المرحلة الثانية، التصفية التي استبعدت أولئك المتكبرون الذين تبهرهم الأموال والمناصب والأسماء "قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال"



التصفية الثالثة وهي أهم المراحل، ففيها يميز الله الخبيث من الطيب، فتوسّطت الطريق، مرحلة تحلية وتخلية، تحلية بالصبر والطاعة ولزوم الجماعة، وتخلية عن الطمع واستعجال الراحة، فكانت بحق أصعب المراحل "ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فانه مني الا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه الا قليلا منهم"



فكانوا قلة من قلة، ولكنها سنة الله في التمحيص والاصطفاء "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، فيخرج الصف نقيا لا تشوبه شائبة.



تميّز الصف، وما عاد يحوي الا المؤمنين الصادقين، ولكن هناك دوماً اصطفاء فوق اصطفاء، فمن يقود القافلة ويحرّكها بحاجة للمرور من مصفاة إضافية، مصفاة التميّز، مصفاة الفهم لسنن الكون، مصفاة الثقة بالله، "فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالو لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"



وأخيراً، يأتي الاصطفاء الرباني "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فيختار الله رجلاً يكون النصر على يديه "وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء"



فهل عرفنا الآن ما الذي يحدث في الشّام؟ ولماذا تأخر النصر؟


انها مراحل متتابعة من التصفية و(الاصطفاء)، فالشام يهيؤها الله لتقود الأمة من جديد، وكيما تستطيع هذه القلة المؤمنة أن تطير بنا وتحلّق في السماء، فتنقلنا من حال الذل والضعف والخنوع الى حال العزة والقوة والمنعة لابدّ لها أن تكون نقية صافية لا تشوبها شائبة.



تماماً كوقود الطائرات النفاثة

السبت، 21 يوليو، 2012

خواطر قرآنية (2) - نعم أتغيّر


"نعم أتغير"




قالها سلمان العودة قبل أسابيع في وسمه الأول، معرباً عن استعداده للتغيّر، والانتقال من ضيق التبعية والتقليد إلى فضاءات أرحب وأوسع.


وقد سبق القرآن الكريم العودة بقرون وهو يدعونا إلى التغيّر، عبر إشارات متتالية، ولم ألاحظ ذلك إلا بالأمس، وأنا أقرأ في سورة البقرة، حيث لاحظت تكرار هذا المعنى عدة مرات، وبأساليب متنوعة:

أولى الإشارات كانت في قوله تعالى:

"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يُثبت النسخ، وهو تبديل حكم الآية أو تغييره كما يقول الطبري في تفسيره.

ثمّ تأتي الإشارة الثانية، وتتكرّر الآية مرّتين وبذات النّص في قوله تعالى "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، وفي ذلك دعوة صريحة في أن ننظر إلى أنفسنا ونهتم بما يصلحها، دون أن نكون أسرى للماضي، علماً بأنّ هذه الآية قد جاءت في معرِض الحديث عن أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.

الإشارة الثالثة جاءت في الحديث عن أولئك القوم الذين آثروا التبعية، فندموا على ذلك وتمنّوا لو أنهم اختاروا طريقهم بأنفسهم: "وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ"

ثمّ جاءت الإشارة الرابعة أكثر وضوحاً وصراحة في الانتقاد والتقريع: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ"

وكانت الإشارة الأبرز، في قصّة تغيير القبلة، فالله سبحانه وتعالي يقرّر في كتابه الكريم تلك الحقيقة الواضحة  "لله المشرق والمغرب"، فالقبلة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هو اختبار لقدرة الانسان المؤمن على التغيير واتباع الحق أنى كان وأينما وجد "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ"



"نعم أتغير"

الجمعة، 20 يوليو، 2012

خواطر قرآنية (1)


"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"

آية نستخدمها كثيراً في هجومنا على من يخالفنا في الفكر والعقيدة والسلوك وربما السياسة أيضاً، فنظن بأنفسنا خيراً وأن الطرف (الآخر) هو المقصود.

إلا أنني اليوم، وأنا أقرأ هذه الآيات استوقفني هذا المقطع القرآني كثيراً منذ بدايته وحتى النهاية.

حيث تشير البداية إلى أنّ هؤلاء القوم:
يقولون بأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر،
ويؤمنون في قرارة أنفسهم بأنهم مصلحون،
كما تشير النهاية إلى أنهم لا يعلمون بسفاهتهم ولا يشعرون بفسادهم،
أي أنهم باختصار مخدوعون بأنفسهم.

لو تأملنا هذه الآيات، واستحضرناها في نفوسنا دوماً، لأصبحنا أكثر قبولاً للآخر.

فلعلّ الحق مع (الآخر)، ولعلّنا نحن الذين نظن بأنفسنا خيراً ونقول بأننا نؤمن بالله واليوم الآخر، وأننا مصلحون، لعلّنا لسنا كذلك، ولكنّنا لا نعلم ولا نشعر، ونحن نحتكر الحقّ لأنفسنا.

اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه

"وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"