الاثنين، 23 يوليو، 2012

خواطر قرآنية (3) - وقود الطائرات

وقود الطائرات هو أجود أنواع الوقود وأغلاها وأنقاها، وللحصول عليه لابدّ من المرور بالعديد من مراحل التصفية أكثر من أي وقود آخر، فهو الوقود الذي سيجعلنا نحلّق في السماء، ونقطع المسافات البعيدة في زمن قصير.



وكذلك البشر، فإن أعظم الناس هم أولئك الذين يمرون بنجاح عبر مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى، فهم الذين سيحلقون بنا في السماء، كي ينقلونا من حال الى حال، فلابدّ لهم أن يكونوا أزكى الناس وأنقاهم.



جاءتني هذه الخواطر وأنا أتأمل في قصة طالوت وصراعه مع جالوت، حيث تعددت مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى.



بدأت المرحلة الأولى حين أبدى القوم رغبتهم بالقتال:

"ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله"، فكانت أولى التصفيات للتخلص من القاعدين والجبناء والمتخاذلين "فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم"



ثم جاءت المرحلة الثانية، التصفية التي استبعدت أولئك المتكبرون الذين تبهرهم الأموال والمناصب والأسماء "قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال"



التصفية الثالثة وهي أهم المراحل، ففيها يميز الله الخبيث من الطيب، فتوسّطت الطريق، مرحلة تحلية وتخلية، تحلية بالصبر والطاعة ولزوم الجماعة، وتخلية عن الطمع واستعجال الراحة، فكانت بحق أصعب المراحل "ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فانه مني الا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه الا قليلا منهم"



فكانوا قلة من قلة، ولكنها سنة الله في التمحيص والاصطفاء "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، فيخرج الصف نقيا لا تشوبه شائبة.



تميّز الصف، وما عاد يحوي الا المؤمنين الصادقين، ولكن هناك دوماً اصطفاء فوق اصطفاء، فمن يقود القافلة ويحرّكها بحاجة للمرور من مصفاة إضافية، مصفاة التميّز، مصفاة الفهم لسنن الكون، مصفاة الثقة بالله، "فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالو لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"



وأخيراً، يأتي الاصطفاء الرباني "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فيختار الله رجلاً يكون النصر على يديه "وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء"



فهل عرفنا الآن ما الذي يحدث في الشّام؟ ولماذا تأخر النصر؟


انها مراحل متتابعة من التصفية و(الاصطفاء)، فالشام يهيؤها الله لتقود الأمة من جديد، وكيما تستطيع هذه القلة المؤمنة أن تطير بنا وتحلّق في السماء، فتنقلنا من حال الذل والضعف والخنوع الى حال العزة والقوة والمنعة لابدّ لها أن تكون نقية صافية لا تشوبها شائبة.



تماماً كوقود الطائرات النفاثة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق