الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2008

ألف لواحد خير من واحد لألف



زكاتك، صون لتعففهم”، شعار رفعته مؤسسة صندوق الزكاة في شهر رمضان المبارك ضمن حملتها الإعلامية الأخيرة، وكجزء من خطتها الرامية لأخذ دورها الريادي في دولة الإمارات العربية المتحدة أسوة بالمؤسسات الزكوية الأخرى في الدول المجاورة لتحصيل الزكاة ودفعها لمستحقيها، واستجابة لهذه الحملة وكعادة الكثيرين من أبناء هذا البلد المعطاء في مثل هذا الشهر، تسابق أهل الخير والإحسان في إخراج صدقاتهم وزكاة أموالهم، إما بإعطائها لإحدى الهيئات الخيرية المنتشرة داخل الدولة أو بتسليمها لمستحقيها بشكل مباشر


إلا أن ما لفت نظري تلك العادة التي يحرص عليها الأغلبية (وما أبرئ نفسي)، ذلك التقليد الذي لا أعرف من أين أتينا به، تلك الرغبة الشديدة في تجزئة المال ولو كان يسيرا، حيث يحرص الواحد منا وبشكل عجيب على أن تصل دراهمه إلى أوسع شريحة ممكنة ولو كانت أقل من ألف درهم، فيعطي هذا مئة درهم وذاك خمسون، وآخر مائتان، وفي أفضل الأحوال سيحصل المسكين المعدم المشلول الأعمى الأصم الأبكم ذو العيال على الورقة الزرقاء وكأنها ستحل كل أزماته، نفعل ذلك بحسن نية وأملا في إفادة أكبر عدد من المحتاجين، ونحن لا نعلم أنا بذلك نسيء لهم أكثر مما ننفعهم


يأخذ الفقير أو المسكين المائة درهم أو المائتان أو ربما الألف شاكرا لك، وهولا يدري ماذا عساه أن يفعل بها، أيجلب بها مئونة العام التي ستنتهي في شهر، أم يستر بها الأجساد العارية والأقدام الحافية، أم يدلل بها عائلته بشيء من اللحم وقليلا من الحلوى، أم يسدد بها “جزءا” من دين لا يعرف متى ينتهي، أم يعالج بها طفلته المريضة وأنينها الصامت هي وأمها، أم يخدر إدارة المدرسة لتأجيل طرد ابنه شهرا آخر، أم يعيد بها الكهرباء إلى منزله ليشغل بها أجهزة غير موجودة أصلا، أم يشتري بها نصف ثلاجة تحفظ له مخلفات طعامنا له ولأبنائه، أم يترك كل شيء خلف ظهره ويأخذ عياله في نزهة ستبقى في ذاكرتهم حتى الممات، أم أم أم أم …………..الخ، وقبل أن يتخذ قراره، تكون الدريهمات قد تبخرت، كيف؟ ومتى؟ وأين؟ المهم أنها تبخرت، ليعود في دوامة الحياة من جديد ينتظر الفرج من الله، فلا استفاد هو ولا استفاد غيره


كثيرون من “القليل” الذين يخرجون زكاة أموالهم، تزيد زكاتهم عن بضعة آلاف، وهي كافية لحل أزمة أو إعادة حياة إلى الحياة، ألم يكن من الأجدى لنا لو أعطينا زكاة أموالنا وما نرغب بالتصدق به لشخص واحد، واحد فقط، فيعلم بها أبناءه ليصبحوا قادرين على مجابهة الحياة بأنفسهم، أو يعالج بها رب أسرته ليعود سالما معافى يعول عياله، أو يدفع بها دينا طالت مدته فترتاح نفسه فيعمل بلا ضغوط ويفكر بشكل ايجابي يدفع عنه الفقر طيلة حياته، أو يعلم بها زوجته الخياطة بعد شراء مستلزماتها كاملة لتساعده في تسيير شؤون المنزل، أو يصحح أوضاعه القانونية لينطلق من جديد ويعيد أبناءه إلى المدارس، أو يدخل ابنته في دورة مهنية تفتح لها أبواب التوظيف، أو ينشئ بها مشروعه الخاص ليكفل له حياة كريمة هو وعياله، ندفع المال لأسرة واحدة فنفك بها كربة، ونقضي بها دينا، ونعالج بها مريضا، فيكون الشعار حقيقة واقعة “زكاتك، صون لتعففهم” لا أن تكون زكاتنا للفقير مخدرا سرعان ما يزول مفعوله


إحدى الفرق الباطنية التي تعيش بين أظهرنا وتملك من رؤوس الأموال ما يزيد على ميزانيات الكثير من دول العالم الثالث، يعمد أتباعها إلى جمع مبلغ كبير وضخم من المال فيدفعونه إلى الفقير منهم ليفتتح به محلا وسط السوق ويدفعون له الخلو وكافة المصاريف الأخرى ويمدونه بالبضاعة، ثم يشترون منه حصرا حتى يقف على رجليه، وهم ممن تعرفون من أتباع الفرقة الإسماعيلية، فكيف بنا ونحن أتباع الدين الحق وأتباع الرسالة المحمدية؟!!! 


وفي التشريع الإسلامي - كما ورد في كتب الفقه المتخصصة - يرى جمهور الفقهاء أن يعطى الفقير من الزكاة ما يكفي لسد حاجاته الأساسية هو ومن يعول عاما كاملا‏,‏ ومعيار ذلك هو أن تكون كافية لما يحتاج إليه من مطعم وملبس ومسكن، ويرى فقهاء آخرون إعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه العمر كله بحيث لا يحتاج إلى الزكاة مرة أخرى، وقد ورد عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: “إذا أعطيتم فأغنوا”، ويمكن الجمع بين الرأيين بأن يعطى القادر على الكسب ما يكفيه العمر كله ويغنيه عن الزكاة بتمليكه آلات حرفته أو مقومات تجارته، ويعطى لغير القادر ما يكفيه عاما، وفي كلا الحالتين لا يتم ذلك إلا بإعطاء زكاتنا وصدقات أموالنا لأسرة واحدة، وأسرة واحدة فقط.

الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2008

السمك الكبير يمنع الاحتطاب

بين ليلة وضحاها، أصبح خالي دكتور الاقتصاد ومستشار وزارة الاقتصاد “سابقا” للشؤون المالية  والاقتصادية أصبح كأي مواطن عادي، استيقظنا في الصباح الباكر لنجد أن الجميع بلا استثناء قد تحولوا بقدرة قادر إلى خبراء في المال والاقتصاد، يحللون وينظرون بثقة تامة عن أسباب الأزمة المالية الحالية في الداخل والخارج، نساء ورجالا، صغارا وكبارا، إنها سطوة الإعلام بأبعاده التسعة التي جعلت من الجميع خبراء ومستشارين، استقبل بريدي الالكتروني قصةسعيد أبو الحزن” الذي يعيش في “أمرستان” والتي كتبها الدكتور “أنس الحجي” عدة مرات تفوق عدد أصدقائي المسجلين لدي!!!!! والأجمل من ذلك أن كثيرين منهم يذيلون المقال بأرائهم ووجهة نظرهم الخاصة، رغم أن كثيرين لم يفهموا من القصة إلا بدايتها، ولذا فاني سأعطي لنفسي الحق التحدث في المجال الاقتصادي وان كان من زاوية أخرى تماما، فنادلة المطعم التي أخذت تحاورني وتتحدث إلي بحماس شديد عن الأزمة ليست أفضل مني


قالوا قديما “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”، وكان الرسول –عليه الصلاة والسلام- إذا رأى سائلا وجهه إلى العمل، ودعاه أن يذهب فيحتطب ويبيع خيرا له من سؤال الناس، أعطوه أم منعوه، ولكن ما نراه حولنا من واقع وتشريعات وقوانين يجعل ذلك ضربا من المستحيل، فلا مكان للأسماك الصغيرة، قبل عقد مضى من الزمن كان هناك عشرات الآلاف من البقالات الصغيرة والسوبرماركت تحقق لأصحابها وعائلاتهم أرباحا تكفل لهم حياة كريمة، أما اليوم فقد استأثرت محلات الهايبرماركت كالكافور واللؤلؤ والجمعيات اللاتعاونية (هناك استثناءات) بكل شيء وتركت فتات الفتات للبقالات التي لا تكاد مبيعات الخبز والألبان تفي بمتطلباتهم، وأصبح الشيبس هو سلعتهم الإستراتيجية التي تحقق لهم الأرباح


قبل عقد من الزمن كانت الشوارع تعج بسيارات الأجرة التي يديرها أصحابها بأنفسهم من المواطنين والمقيمين وينفقون من دخلها على أسرهم، أما اليوم فقد أكلت حفنة من الأسماك الكبيرة من شركات النقل الكبرى كل شيء وحولت أرباب السيارات إلى سائقين يعملون عندها ويكدون ليل نهار لتلقي إليهم بالفتات آخر الشهر، لتتحول كل الأرباح إلى جيوب عدة هوامير ويأخذ السائق ما بالكاد يسد رمقه فقط، وكل ذلك بحجة تنظيم القطاع!!!!!


قبل عقد من الزمان، كان الواحد فينا إن ضاقت به الأرض نزل إلى البحر، وألقى بشبكته ليعود إلى أهله حاملا لهم ما أكرمه الله به من الرزق فيبيع ما يشتري به حاجات البيت ويعود بالباقي ليطعم عياله، اليوم لا يملك الواحد منا أن يبيع سمكة دون أخذ تصريح وترخيص ومحل وكفيل ووووووو........الخ، ولا فرق في ذلك بين مواطن ومقيم.


قبل عقد من الزمان كانت هنالك عشرات الشركات السياحية التي تصدر التذاكر، قريبا وقريبا جدا ستختفي هذه الشركات، فبين الكواليس يتم التحضير لإنشاء شركة كبرى “مدعومة” تأكل كل الأسماك الصغيرة من الشركات السياحية ليصبح أصحاب هذه الشركات مجرد موظفون عاديون يستلمون رواتبهم من السمكة الكبيرة “سياحة” أو “تذكرة” أو “مضيفة” أو أي اسم آخر يتفقون عليه عند إنشاء الشركة الهامور.


قبل عقد من الزمان كانت بعض الأسر المعوزة ترسل ببناتها إلى البيوت كخادمات أو كمربيات للحصول على لقمة العيش، وكان أبناء بعض الأسر يعرضون خدماتهم على المؤسسات والشركات في شتى الوظائف للمساعدة في تسيير شؤون المنزل الكبير، لم يكن هناك من مانع أن يذهب المحتاج أو الفقير إلى الصحراء “فيحتطب” ويجمع الرمال، لينقلها إلى أحد مواقع الإنشاء فيبيعها بثمن بخس يكون كافيا لحفظ كرامته عن سؤال الناس، اليوم إن اكتشف الموظف المسؤول ذلك، فواجبه يحتم عليه أن يفرض غرامة لا تستطيع الخادمة أن تدفعها ولو باعت كل ما تملك هي وعشيرتها والعشائر المجاورة.


الشركات الكبرى أصبحت تسيطر على كل شيء، ومما هو مؤسف أننا كأفراد ومؤسسات خاصة وحكومية ندعمها دون أن ندري وعلى حساب السمك الصغير، وكما يذكر الخبير الاقتصادي اللبناني الأصل نسيم نيكولا في كتابهالعشوائية المتوحشة” والذي ترجم إلى أكثر من 23 لغة أن التجارة أو العمل الحر لم يعد يجدي نفعا، وأنه خير للمرء أن يكون مديرا تنفيذيا في إحدى كبريات الشركات العالمية ليتربع على قائمة أغنى أغنياء العالم، ونظرة واحدة إلى قائمة “فوربسستكشف أن أغلبهم بالفعل هم مدراء تنفيذيون، وقد كشفت الأزمة المالية الأخيرة عن ذلك بوضوح، فما يتقاضاه أحدهم في شهر قد يفوق ما يتقاضاه باقي الموظفين في سنة.


نحن لسنا ضد التنظيم والتنسيق، ولكن يجب أن يكون بعد أخذ الرأي والمشورة من كافة الأطراف المعنية، ومراعاة لمصلحة الجميع، دون تغليب مصلحة طرف على آخر، وأن تكون القوانين والتشريعات متكاملة مع ما حولها، فلا يعقل أن أمنع نقل الركاب قبل أن يكون هناك مواصلات عامة كافية وتغطي كافة المناطق، ولا يصح أن أمنع الإنسان من صيد البحر وهو الذي تحدث عنه الله عز وجل في كتابه كأحد أهم أوسع وأشمل أبواب الرزق، ولا يحق لنا أن نمنع إنسانا من العمل بعرق يده لمجرد أنه لا يملك تصريحا بذلك، أتمنى ألا نصبح كالغراب الذي أراد أن يقلد مشية الطاووس، فلا هو أتقنها، ولا هو استطاع أن يعود إلى مشيته.