الأربعاء، 9 يناير، 2013

ثورة التجار


حين كنت صغيراً، كانت والدتي –كغيرها من النساء- تتابع ما يُعرَض من مسلسلات على شاشة التلفاز، فكنّا نضطر إلى متابعتها بدلاً من مشاهدة مباريات فريقنا المفضّل، ولا أذكر حينها أنّه قد استهواني أحدها فحرصت على متابعته، باستثناء ذلك المسلسل المُستوحى من حياة التجّار في البيئة الحلبيّة، حيث مازالت بعض المشاهد لا تبارح الذاكرة حين كان (سلّوم حدّاد) يجلس في متجره يبيع ويشتري، ثم يخرج إلى وسط السّوق ملوّحاً بسبحته الشهيرة على عادة التجّار، ومنذ ذلك اليوم ارتبطت هذه المدينة عندي بالسوق والتجارة، وعرفت بعدها أنها اشتُهِرت بذلك، وأنّها بحقّ مدينة التجّار.


ومع انطلاق شرارة الثورة السورية في مارس 2011، سارعت أغلب المدن السورية في الإنضمام إلى الثورة، فخرجت المظاهرات في حمص وحماة وإدلب ودرعا ودير الزور واللاذقية وغيرها، وكان الغائب الأكبر عن هذه المظاهرات "مدينة التجّار"، ومرّت الأسابيع والشّهور والنّاس ينتظرون انضمام "حلب" إلى الثورة، وتسارعت الأحداث فكَثُرَت المجازر وسقط آلاف القتلى والجرحى ومازال الناس في انتظارهم، فعَمِدوا إلى التشكيك في ولاء أبناء حلب الشهباء لوطنهم، وبدأوا يكيلون الشتائم والسباب والاتهامات المختلفة، وتجاوز البعض آلامهم بإطلاق النكات على أهل هذه المدينة العريقة، ولكن الجميع تناسى الحقيقة الخاصة بكونهم "تجّار" وأن هذا التأخير يعود إلى تكوينهم الإجتماعي وطبيعتهم النفسية بوصفهم "تجّار".



التاجر (الشاطر) بطبيعته، (يحسبها صح) فيُحسِن تقدير المخاطر، فلا هو بالجبان ولا هو بالمتهوّر، فهو يشتري حين يبيع الناس، ويبيع حين ترتفع الأسعار، يعرف متى يتقدّم ومتى يتأخّر، ذكي في تحركاته وتصرفاته، فتجده دوماً يقدّم أقل التنازلات مقابل أعلى المكاسب، وقد أثبت الحلبيّون علوّ كعبهم في هذا المجال، فكانت (حلب) من أقلّ المدن من حيث عدد الشهداء بالنسبة إلى عدد السكّان رغم أنها الأوفر حظّا في تحقيق المكاسب للثورة السورية، ففيها تم إسقاط أكبر عدد من الطائرات التابعة للنظام، وفيها تم تحقيق العديد من الانتصارات والفتوحات للجيش السوري الحر، وفيها تم أسر وقتل العديد من الجنود والضباط والشبيحة المتواطئين مع النظام، وهو أمر يُحسَب لأبناء هذه المدينة المجاهدة.











ولم يختلف تعامل أهل حلب مع الثورة عن تعامل التجّار مع السّوق، فبدأوا بمحاولة الحصول على أكبر حصة من السوق عبر السيطرة على أكبر نسبة من الأراضي، ثمّ حرصوا على تأمين احتياجاتهم من البضائع والخدمات ومنعها عن منافسيهم عبر التحكّم بخطوط الإمداد وبسط نفوذهم على المنافذ الحدودية، وكما هي عادة (التجّار) في تخيّر الأماكن والمواقع الاستراتيجيّة في السوق، فقد قام الحلبيّون بإسقاط مدرسة المشاة العسكرية ذات الأهمية الاستراتيجية للنظام، كما لا تكتمل الصورة إلا بما تدوّنه دفاتر الجرد السنوي وقائمة الأرباح، وهو الأمر الذي يبيّن تفوّق الحلبيّون فيه على غيرهم بكمية الغنائم التي غنموها من قوّات النظام الأسدي.


وإذا كان دخول التجّار إلى السّوق يغيّر قوانين اللعبة، ويعيد رسم خريطة السّوق والأسعار، وربّما يؤثر على الأسواق المجاورة، فكذلك فعلت حلب عند انضمامها إلى الثورة، فتغيّرت قوانين اللعبة بشكل كلّي، وتمّت إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري، وانقلبت المعادلة لصالح الجيش السوري الحرّ في العديد من المدن السورية، ولم تقتصر الفائدة على حلب وحدها، بل تعدّاها إلى كافة المدن السورية حتى وصلت إلى العاصمة.


ولعلّه من المصادفة، أن تكون ممارسات أهل المدن السورية في الثورة متشابهة إلى حدّ كبير مع طبيعة التجارة فيها، فمدينة حمص التي اشتهرت بكونها أكبر سوق استهلاكية، كان أهلها كذلك حيث لم يدّخروا جهداً ولا وسعاً في سبيل قضيّتهم، فقدّموا الغالي والنفيس، واشتروا بدمائهم وأنفسهم هذه الثورة المباركة، وفي درعا التي عُرِف تجّارها بمخاطرتهم الشديدة وبأنّهم كثيراً ما يجنون أموالاً لم يحسبوا لها حساباً، فهم أصحاب قلوب قويّة، يقبلون ولا يدبرون، ويغامروا بأموالهم دون كتاب أو حساب، بل مجرّد توكّل على ربّ الأرباب، فكذلك فعلوا في ثورتهم ضدّ النظام، فخرجوا معترضين ومناهضين، وهم لا يعلمون بأنّهم بذلك قد فتحوا الباب على مصراعيه أمام أعظم ثورة في الألفية الثالثة، وأنّ الشعب السوري سيجني ثمار مخاطرتهم تلك أضعاف ما يشتهون في المستقبل القريب – إن شاء الله –


وكما هو معلوم لدى الجميع فإن المنافسة التجاريّة الحقيقية إنما هي بين تجّار حلب وتجّار دمشق (الشام)، فهل سيقبل تجّار (الحميديّة) التحدّي؟ ويدخلوا ميدان التنافس ليثبتوا علوّ كعبهم وطول باعهم في (التجارة)، وأنّ دخولهم (السوق) سيقلب الأمور رأساً على عقب ويحسم (المعركة) -حتماً- لصالحهم، وبشكل نهائي.


هذا ما ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة.....