الأربعاء، 28 نوفمبر، 2012

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)
-نحو فقه التعامل مع المنافقين-
 
 
 
 
 
هناك من قلب مكة المكرمة، ومن غار حراء تحديداً ابتدأت الدعوة الجديدة، ومنها انطلقت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام نحو خلافة الله في أرضه، والتمكين لشريعته، لبناء الحضارة الإسلامية المنشودة.
 
وما كان للطريق أن يكون معبّداً لرحلةٍ كهذه، بل هو طريق وعر شديد الوعورة، مليء بالعقبات والمطبّات، فهي رحلة فريدة، لم يسبق لأحدٍ أن سلك طريقها من قبل، فكان لابدّ لها من سَبرِ أغوارٍ جديدة، واقتحام مناطق مغلقة وأبواب موصدة، رحلة ستسلك طريقاً جديداً متجاهلة كل الطرق الموجودة في ذلك الحين، فهي ترغب بشقِّ طريقٍ خاصٍ بها، تبنيه وفق أحدث المواصفات، فتعبّده وتجهّزه لمن يأتي بعدها واضعة كل الإرشادات والتوجيهات اللازمة على جانبي الطريق، فيستفيد منها العابر والسالك في طريقه نحو تحقيق معنى العبودية الكامل لله عزّ وجلّ.
 
وكذلك كانت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن معه، فاختياره للطريق الجديد صنع له أعداء كثر ممن يسلكون أو يملكون الطرق الأخرى، فكانت المرحلة الأولى في مكة حيث تعرّض فيها هو وأصحابه لشتّى أنواع العذاب والاضطهاد، وقد انحصر أعداؤه في تلك الفترة بالكافرين والمشركين، فلم يكن حينذاك تلك الفئة النشاز من (المنافقين) والتي لم تظهر بعد، فالمسلمون في حالة ضعف وانكسار، فليس لأعداء الله بالمنافقين حاجة.
 
ولكن حين أتمّ الرسول عليه الصلاة والسلام وضح حجر الأساس واللبنة الأولى للطريق الجديد، وبدأ المسلمون يرون بصيص النور الذي عاشوا لأجله، أطلّت تلك الحرباء برأسها وبوجوهها المتعددة، فظهرت فئة (المنافقين)، وبدأت تكيل المكائد والدسائس للمسلمين، فتارة تتحالف مع أعدائهم في الخارج، وتارة تحاول أن تشق الصف الداخلي، وتارة تحاول التأثير في القضاء وفي الأحكام المحمّديّة، فكانت بحقّ إحدى أكبر العقبات في طريق الدعوة المحمّدية.
 
فمن خلال أساليبها الخبيثة الملتوية، وبسبب وجودها ضمن النسيج الداخلي للمجتمع الأسلامي، فقد كانت تنخر في جسد الأمة المتماسك، محاولة بكل ما أوتيت من قوة أن تضعفه وتفتته فتصيبه في مقتل، ولولا فضل الله ورحمته لماتت هذه الدعوة في مهدها بسبب هذه الفئة، ولذلك كان التحذير منها قوياً وشديداً، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم تصريحاً 37 مرة، وسميت إحدى السور باسمها (المنافقون) تأكيداً على أهمية هذه الفئة والدور القذر الذي تلعبه ضد أمتنا، ناهيك عن المرات التي ذكرت فيها هذه الفئة تلميحاً لا تصريحاً في القرآن والسنة، رغم أن عمرها في حياة الرسول –عليه الصلاة والسلام- لم يتجاوز عدة سنوات، فسرعان ما اختفت هذه الفئة بعد الفتح المبين لمكة المكرمة، وبعد أن استكمل المسلمون أسباب القوة والمنعة ووضعوا الأسس المتينة لدولتهم الناشئة، ولم نسمع لهذه الفئة نهيقاً ولا عواءً ولا نبيحاً إبان فترة الحكم الراشدي في زمن أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم تعاود الظهور إلا حين ظهر الإنقسام بين فئتين من (المؤمنين) في ومن علي بن أبي طالب حيث وجدوا الظرف مناسب لبث سمومهم ونفخ ريحهم المنتنة.
 
ونحن هنا لا نتحدّث عن فئة المسلمين الذين ابتلاهم الله بشيء من صفات (المنافقين)، والتي لا يكاد يخلو منها أحد –إلا من رحم ربي- ، وإنما نتحدّث عن فئة تبطن (الكفر) وتُظهِر (الإسلام)، وهي وإن كانت محدودة في عصر الرسول –صلى الله عليه وسلّم- حيث يضطر (المنافق) إلى تغيير دينه كي يصبح جزءاً من (المسلمين)، فإنهم ليسوا مضطرون إلى ذلك في عصرنا هذا، فقد ولدوا وفي صفحة أحوالهم الشخصية تظهر الديانة أنهم (مسلمون).
 
خلاصة الأمر أن هذه الفئة لا تظهر في حالات الضعف والهوان للمسلمين، كما أنها سرعان ما تختفي حين يستكمل المسلمون أسباب المنعة والتمكين، وإنما ينحصر دورها في المرحلة الانتقالية، في المرحلة التي يبدأ المسلمون فيها بوضع أولى اللبنات نحو بناء الصرح الذي أمرنا الله بتشييده، وهي المرحلة التي ابتدأت بوادرها بعد الربيع العربي، بعد سنوات من الذل والهوان عاشها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فحريٌّ اليوم بأهل مصر وفلسطين تحديداً بدراسة فقه التعامل مع (المنافقين) بعمق ورويّة، عسى الله أن يدفع عنهم شرّ هذه الفئة، ويكتب لهذه الأمة أمر رشد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق