الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)

السّلوليّون بين الأمس واليوم (1-2)
-نحو فقه التعامل مع المنافقين-
 
 
 
 
 
هناك من قلب مكة المكرمة، ومن غار حراء تحديداً ابتدأت الدعوة الجديدة، ومنها انطلقت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام نحو خلافة الله في أرضه، والتمكين لشريعته، لبناء الحضارة الإسلامية المنشودة.
 
وما كان للطريق أن يكون معبّداً لرحلةٍ كهذه، بل هو طريق وعر شديد الوعورة، مليء بالعقبات والمطبّات، فهي رحلة فريدة، لم يسبق لأحدٍ أن سلك طريقها من قبل، فكان لابدّ لها من سَبرِ أغوارٍ جديدة، واقتحام مناطق مغلقة وأبواب موصدة، رحلة ستسلك طريقاً جديداً متجاهلة كل الطرق الموجودة في ذلك الحين، فهي ترغب بشقِّ طريقٍ خاصٍ بها، تبنيه وفق أحدث المواصفات، فتعبّده وتجهّزه لمن يأتي بعدها واضعة كل الإرشادات والتوجيهات اللازمة على جانبي الطريق، فيستفيد منها العابر والسالك في طريقه نحو تحقيق معنى العبودية الكامل لله عزّ وجلّ.
 
وكذلك كانت رحلة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن معه، فاختياره للطريق الجديد صنع له أعداء كثر ممن يسلكون أو يملكون الطرق الأخرى، فكانت المرحلة الأولى في مكة حيث تعرّض فيها هو وأصحابه لشتّى أنواع العذاب والاضطهاد، وقد انحصر أعداؤه في تلك الفترة بالكافرين والمشركين، فلم يكن حينذاك تلك الفئة النشاز من (المنافقين) والتي لم تظهر بعد، فالمسلمون في حالة ضعف وانكسار، فليس لأعداء الله بالمنافقين حاجة.
 
ولكن حين أتمّ الرسول عليه الصلاة والسلام وضح حجر الأساس واللبنة الأولى للطريق الجديد، وبدأ المسلمون يرون بصيص النور الذي عاشوا لأجله، أطلّت تلك الحرباء برأسها وبوجوهها المتعددة، فظهرت فئة (المنافقين)، وبدأت تكيل المكائد والدسائس للمسلمين، فتارة تتحالف مع أعدائهم في الخارج، وتارة تحاول أن تشق الصف الداخلي، وتارة تحاول التأثير في القضاء وفي الأحكام المحمّديّة، فكانت بحقّ إحدى أكبر العقبات في طريق الدعوة المحمّدية.
 
فمن خلال أساليبها الخبيثة الملتوية، وبسبب وجودها ضمن النسيج الداخلي للمجتمع الأسلامي، فقد كانت تنخر في جسد الأمة المتماسك، محاولة بكل ما أوتيت من قوة أن تضعفه وتفتته فتصيبه في مقتل، ولولا فضل الله ورحمته لماتت هذه الدعوة في مهدها بسبب هذه الفئة، ولذلك كان التحذير منها قوياً وشديداً، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم تصريحاً 37 مرة، وسميت إحدى السور باسمها (المنافقون) تأكيداً على أهمية هذه الفئة والدور القذر الذي تلعبه ضد أمتنا، ناهيك عن المرات التي ذكرت فيها هذه الفئة تلميحاً لا تصريحاً في القرآن والسنة، رغم أن عمرها في حياة الرسول –عليه الصلاة والسلام- لم يتجاوز عدة سنوات، فسرعان ما اختفت هذه الفئة بعد الفتح المبين لمكة المكرمة، وبعد أن استكمل المسلمون أسباب القوة والمنعة ووضعوا الأسس المتينة لدولتهم الناشئة، ولم نسمع لهذه الفئة نهيقاً ولا عواءً ولا نبيحاً إبان فترة الحكم الراشدي في زمن أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم تعاود الظهور إلا حين ظهر الإنقسام بين فئتين من (المؤمنين) في ومن علي بن أبي طالب حيث وجدوا الظرف مناسب لبث سمومهم ونفخ ريحهم المنتنة.
 
ونحن هنا لا نتحدّث عن فئة المسلمين الذين ابتلاهم الله بشيء من صفات (المنافقين)، والتي لا يكاد يخلو منها أحد –إلا من رحم ربي- ، وإنما نتحدّث عن فئة تبطن (الكفر) وتُظهِر (الإسلام)، وهي وإن كانت محدودة في عصر الرسول –صلى الله عليه وسلّم- حيث يضطر (المنافق) إلى تغيير دينه كي يصبح جزءاً من (المسلمين)، فإنهم ليسوا مضطرون إلى ذلك في عصرنا هذا، فقد ولدوا وفي صفحة أحوالهم الشخصية تظهر الديانة أنهم (مسلمون).
 
خلاصة الأمر أن هذه الفئة لا تظهر في حالات الضعف والهوان للمسلمين، كما أنها سرعان ما تختفي حين يستكمل المسلمون أسباب المنعة والتمكين، وإنما ينحصر دورها في المرحلة الانتقالية، في المرحلة التي يبدأ المسلمون فيها بوضع أولى اللبنات نحو بناء الصرح الذي أمرنا الله بتشييده، وهي المرحلة التي ابتدأت بوادرها بعد الربيع العربي، بعد سنوات من الذل والهوان عاشها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فحريٌّ اليوم بأهل مصر وفلسطين تحديداً بدراسة فقه التعامل مع (المنافقين) بعمق ورويّة، عسى الله أن يدفع عنهم شرّ هذه الفئة، ويكتب لهذه الأمة أمر رشد.

الخميس، 8 نوفمبر 2012

تفاوض الثعالب


 
 
قبل عدة أشهر، كنّا بصدد توقيع اتفاقية رئيسية مع إحدى الشركات الكبرى العاملة في قطاع الطاقة، وكانت قيمة العقد تقدر بمئات (الملايين) من الدولارات.

 

ولذا وجدنا أنه من المجدي إنفاق بضعة (آلاف) من الدولارات في التحضير الجيد والإعداد المسبق للتفاوض بما يحقق لنا أكبر قدر من المكاسب في هذه الصفقة، فقمنا بالتعاقد مع إحدى الشركات الأجنبية المتخصصة في تقديم الاستشارات الخاصة بالتفاوض وعقد الصفقات في مثل هذا النوع من العقود، وذلك لوضع خطة الطريق والأساليب والسياسات التي يتوجب علينا اتباعها في عملية التفاوض (متى نتحدّث؟ ومتى نلتزم الصمت؟ كيف ومتى نهاجم؟ وكيف ومتى ندافع؟ وهكذا)، وبما يتوافق ويتلاءم مع طبيعة هذه الصفقة تحديداً والمكتسبات التي نرغب بالحصول عليها.

 

بعد عدة أيام كان تقرير المستشار على مكتبي

بدأت أقلب صفحاته الواحدة تلو الأخرى، وأنا غير مصدّق لما أراه

بدأت بقراءة الفصل الأول، فالثاني، فالثالث، الفصل تلو الفصل، ثم أعود إلى صفحة الغلاف كي أتأكد أنه التقرير المطلوب، وأنه ليس هناك خطأ ما

 

فقد كنت أظن -لجهلي- أني سأقرأ شيئاً عاماً عن أساليب التفاوض

أن أقرأ معلومات عن الأسعار والأرقام وبعض المعلومات التفصيلية الخاصة بحركة السوق

أن أقرأ معلومات عن وضع المنافسين، وموقفهم من الصفقة

أن أقرأ عن الثغرات القانونية، والفجوات الفنية

أن أقرأ عن نقاط القوة والضعف عند الطرف الآخر

 

ولكن المفاجأة كانت في التقرير الذي خالف كل التوقعات

فلم يكن فنياً

ولم يكن إدارياً

ولم يكن تجارياً

ولم يكن قانونياً

وإنما كان اجتماعياً ونفسياً بامتياز

 

كان يضم فصلاً خاصأ لكل عضو من أعضاء فريق التفاوض عند الطرف الآخر

ماذا يحب؟ وماذا يكره؟

النادي المفضل، والطعام المفضل

العائلة، الأولاد، الاهتمامات، المعتقدات السياسية والدينية

الصفات، العادات، المهارات

أصحاب التأثير عليه من الأقارب أو الأصحاب، -للأمانة لم يذكر التقرير أن أحدهم كان يستمع إلى زوجته-

الطباع الذاتية، والصفات النفسية

وأخيراً النصائح والتوجيهات الخاصة بالطريقة المناسبة للتعامل مع كل شخصية، مع ذكر بعض الاقتراحات التي تبدو للوهلة الأولى أنها سخيفة وتافهة مثل:

"اجعل علّاقة مفاتيحك للنادي الفلاني"
 
"قم بتعليق لوحة للرسام الفلاني من المدرسة السيريالية التجريدية التكعيبية في غرفة الاجتماعات"
 
"افتح كمبيوتر العرض الرئيسي على صفحة لإحدى الحركات السياسية أو الجماعات الدينية، والتي يؤيدها أحد أعضاء الطرف الآخر -بالغلط يعني- ثم أنزلها بسرعة عند بدء الاجتماع"
 
"اجعل نغمة هاتفك: الأغنية الفلانية للمطرب الفلاني"

 
نصائح عامة، بفتح مواضيع جانبية مشتركة، يُخطّط لها بعناية كالحديث عن الأولاد والعائلة، فإذا كان أحد أعضاء فريق التفاوض عنده بنت عمرها 6 سنوات، فكل ما هو مطلوب مني في فترة الاستراحة أن أرفع هاتفي وأتحدث فيه قليلاً، ثم أعود إلى محدّثي لأشتكي له من ابنتي الشقية التي تتصل بي كل ساعة لتطلب مني شيئاً أو تخبرني بما فعلته والدتها، فيجدها فرصة كي يبادلني الحديث عن ابنته، وهكذا.

 
طبعاً أنواع (الشراب) المناسبة لكل واحد منهم، لأجل عشاء العمل.

 
 
 
الموضوع باختصار: رسائل نفسية غير مباشرة

 

ثم يأتي فصل خاص، يتحدّث بإسهاب عن الشخصية الأصعب (بالاسم) وعن كيفية التعامل معها، بما لا يَضُرّ بسير الصفقة، وهذه الشخصية قد تكون أي فرد في فريق التفاوض، فربما تكون المدير التنفيذي، أو القانوني، أو المدير المالي، أو ربما السكرتير، فالموضوع لا علاقة له بالمنصب، وإنما بطبيعة الشخصية

 

وأخيراً يأتي التقرير الفني، في فصل مقتضب عن وضع الشركة المالي، ومشاكلها الداخلية، والثغرات القانونية، والمنافذ التي نستطيع من خلالها تحقيق بعض المكاسب كسعر المنافسين، وحاجتهم للسيولة، وخسارتهم للعقد X لصالح الشركة المنافسة، وغيرها من الأمور التي نتوقعها في مجال المفاوضات

 

هذا كله في صفقة تجارية -صغيرة نسبياً- إذا ما قورنت بالصفقات التجارية الكبرى التي تقدّر قيمتها بالمليارات من الدولارات، فكيف إذن بالصفقات السياسية والعسكرية، والتحالفات الدولية؟


أترك لكم الإجابة

الاثنين، 23 يوليو 2012

خواطر قرآنية (3) - وقود الطائرات

وقود الطائرات هو أجود أنواع الوقود وأغلاها وأنقاها، وللحصول عليه لابدّ من المرور بالعديد من مراحل التصفية أكثر من أي وقود آخر، فهو الوقود الذي سيجعلنا نحلّق في السماء، ونقطع المسافات البعيدة في زمن قصير.



وكذلك البشر، فإن أعظم الناس هم أولئك الذين يمرون بنجاح عبر مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى، فهم الذين سيحلقون بنا في السماء، كي ينقلونا من حال الى حال، فلابدّ لهم أن يكونوا أزكى الناس وأنقاهم.



جاءتني هذه الخواطر وأنا أتأمل في قصة طالوت وصراعه مع جالوت، حيث تعددت مراحل التصفية الواحدة تلو الأخرى.



بدأت المرحلة الأولى حين أبدى القوم رغبتهم بالقتال:

"ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله"، فكانت أولى التصفيات للتخلص من القاعدين والجبناء والمتخاذلين "فلما كتب عليهم القتال تولوا الا قليلا منهم"



ثم جاءت المرحلة الثانية، التصفية التي استبعدت أولئك المتكبرون الذين تبهرهم الأموال والمناصب والأسماء "قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال"



التصفية الثالثة وهي أهم المراحل، ففيها يميز الله الخبيث من الطيب، فتوسّطت الطريق، مرحلة تحلية وتخلية، تحلية بالصبر والطاعة ولزوم الجماعة، وتخلية عن الطمع واستعجال الراحة، فكانت بحق أصعب المراحل "ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فانه مني الا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه الا قليلا منهم"



فكانوا قلة من قلة، ولكنها سنة الله في التمحيص والاصطفاء "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، فيخرج الصف نقيا لا تشوبه شائبة.



تميّز الصف، وما عاد يحوي الا المؤمنين الصادقين، ولكن هناك دوماً اصطفاء فوق اصطفاء، فمن يقود القافلة ويحرّكها بحاجة للمرور من مصفاة إضافية، مصفاة التميّز، مصفاة الفهم لسنن الكون، مصفاة الثقة بالله، "فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالو لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"



وأخيراً، يأتي الاصطفاء الرباني "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فيختار الله رجلاً يكون النصر على يديه "وقتل داوود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء"



فهل عرفنا الآن ما الذي يحدث في الشّام؟ ولماذا تأخر النصر؟


انها مراحل متتابعة من التصفية و(الاصطفاء)، فالشام يهيؤها الله لتقود الأمة من جديد، وكيما تستطيع هذه القلة المؤمنة أن تطير بنا وتحلّق في السماء، فتنقلنا من حال الذل والضعف والخنوع الى حال العزة والقوة والمنعة لابدّ لها أن تكون نقية صافية لا تشوبها شائبة.



تماماً كوقود الطائرات النفاثة

السبت، 21 يوليو 2012

خواطر قرآنية (2) - نعم أتغيّر


"نعم أتغير"




قالها سلمان العودة قبل أسابيع في وسمه الأول، معرباً عن استعداده للتغيّر، والانتقال من ضيق التبعية والتقليد إلى فضاءات أرحب وأوسع.


وقد سبق القرآن الكريم العودة بقرون وهو يدعونا إلى التغيّر، عبر إشارات متتالية، ولم ألاحظ ذلك إلا بالأمس، وأنا أقرأ في سورة البقرة، حيث لاحظت تكرار هذا المعنى عدة مرات، وبأساليب متنوعة:

أولى الإشارات كانت في قوله تعالى:

"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يُثبت النسخ، وهو تبديل حكم الآية أو تغييره كما يقول الطبري في تفسيره.

ثمّ تأتي الإشارة الثانية، وتتكرّر الآية مرّتين وبذات النّص في قوله تعالى "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، وفي ذلك دعوة صريحة في أن ننظر إلى أنفسنا ونهتم بما يصلحها، دون أن نكون أسرى للماضي، علماً بأنّ هذه الآية قد جاءت في معرِض الحديث عن أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.

الإشارة الثالثة جاءت في الحديث عن أولئك القوم الذين آثروا التبعية، فندموا على ذلك وتمنّوا لو أنهم اختاروا طريقهم بأنفسهم: "وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ"

ثمّ جاءت الإشارة الرابعة أكثر وضوحاً وصراحة في الانتقاد والتقريع: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ"

وكانت الإشارة الأبرز، في قصّة تغيير القبلة، فالله سبحانه وتعالي يقرّر في كتابه الكريم تلك الحقيقة الواضحة  "لله المشرق والمغرب"، فالقبلة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هو اختبار لقدرة الانسان المؤمن على التغيير واتباع الحق أنى كان وأينما وجد "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ"



"نعم أتغير"

الجمعة، 20 يوليو 2012

خواطر قرآنية (1)


"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"

آية نستخدمها كثيراً في هجومنا على من يخالفنا في الفكر والعقيدة والسلوك وربما السياسة أيضاً، فنظن بأنفسنا خيراً وأن الطرف (الآخر) هو المقصود.

إلا أنني اليوم، وأنا أقرأ هذه الآيات استوقفني هذا المقطع القرآني كثيراً منذ بدايته وحتى النهاية.

حيث تشير البداية إلى أنّ هؤلاء القوم:
يقولون بأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر،
ويؤمنون في قرارة أنفسهم بأنهم مصلحون،
كما تشير النهاية إلى أنهم لا يعلمون بسفاهتهم ولا يشعرون بفسادهم،
أي أنهم باختصار مخدوعون بأنفسهم.

لو تأملنا هذه الآيات، واستحضرناها في نفوسنا دوماً، لأصبحنا أكثر قبولاً للآخر.

فلعلّ الحق مع (الآخر)، ولعلّنا نحن الذين نظن بأنفسنا خيراً ونقول بأننا نؤمن بالله واليوم الآخر، وأننا مصلحون، لعلّنا لسنا كذلك، ولكنّنا لا نعلم ولا نشعر، ونحن نحتكر الحقّ لأنفسنا.

اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه

"وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"

الاثنين، 9 يوليو 2012

مسلسل الفاروق


ابتدأ العدّ التنازلي لحلول شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والطّاعات، وابتدأ النّاس يستعدّون له كلٌّ بحسب اهتماماته وأولوياته، إلّا أن الشيء المشترك بينهم جميعاً هو ذلك الاهتمام بمسلسل الفاروق الذي تنوي شبكة الMBC عرضه في شهر رمضان كجزء من برامجها لهذا العام، وقد انقسم النّاس حيال المسلسل وعرضه إلى فئتين بين مؤيد ومعارض، بين متحمّس ومحارب، ومن يتابع وسائل التواصل الإجتماعي كفيسبوك وتويتر، يجد أن الموضوع قد أخذ أكبر من حجمه بكثير، حتى أنّ الجدال حوله كاد يطغى على أخبار المذابح التي تُنصَب يومياً لإخواننا في سوريا وأراكان بورما، وقد بالغ بعضهم في دفاعه عن المسلسل ليزعم بأنّ هذا العرض كفيلٌ ببناء خلافة راشدة جديدة على منهاج سيرة الفاروق  بعد عرضِها على الشاشة.



وقد آثرت الصمت طيلة الأيام الماضية، مكتفياً بالمتابعة، وتوصيف الحال ومحاولة تفسيره، وبعد نظر عميق وجدت أن دائرة الخلاف بين المؤيدين والمعارضين ضيقة جداً، وأن ما يتفقون عليه بالمجمل أكثر بكثير مما يختلفون عليه –وهنا أتحدّث عن السواد الأعظم من النّاس، وليس عن شذّاذ الفكر والعقل من الطرفين-، فأحببت أن أعرض ما اتفق عليه الجميع، لأبدأ بعد ذلك بتحرير محلّ النزاع وحصر الخلاف في نقاط محدّدة.




النقاط المتفق عليها:

1.   احترام وتقدير الصحابة الكرام، والاعتراف بفضلهم ومكانتهم وخصوصيّتهم، والحرص على إبراز سيرتهم بأفضل طريقة ممكنة كي يقتدي بها الأجيال، مع الاعتراف بفضل الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنّة على غيرهم من الصحابة.



2.   أنّ الدراما والأعمال التلفزيونية والسينمائية هي من أقوى أدوات العصر لنشر الثقافة والفكر، ولابدّ من استغلالها وتسخيرها للتغيير وإعادة بناء حضارتنا الإسلامية.



3.   أنّ تحريم تجسيد الصحابة وتمثيلهم هو تحريم غير مطلق، بل هو تحريمٌ قائمٌ على المصالح والمفاسد، يدور في فلكها حلّاً وتحريماً.



4.   أن إجازة هذا العمل أو تحريمه هو من اختصاص أهل العلم في الشريعة والسيرة والتاريخ.



5.   إن الاقتداء بسيرة الفاروق في الدين والحكم والسياسة هو الهدف الذي يسعى إليه الجميع، وأنّ المسلسل مجرّد وسيلة لتحقيق ذلك.

وبعد هذا العرض الموجز، لما اتّفق عليه الجميع، فإنّ نقطة الخلاف أصبحت محصورة في المصالح والمفاسد، وهي محلّ النزاع، وأنّ الخلاف في حقيقته يدور حول وجود المفسدة أو تحقّق المصلحة من عدمها، ولتقدير ذلك وتحديده بطريقة صحيحة لابدّ لنا من إعادة النظر إلى الموضوع من زواياه المختلفة، والتي تتخذ عدة صور وأشكال:


1.   يقوم بانتاج المسلسل مؤسسة الMBC سيئة الذكر، والتي لا أظنّ عاقلاً يجادل في حقيقة هذه المؤسسة وأهدافها المعلنة وغير المعلنة، وكلّنا شاهد ورأى موقفها من الثورة المصرية والسورية وغيرها، وكلّنا يعلم دورها في إفساد أخلاق الجيل الجديد عبر قنواتها المختلفة، فمن المستبعد أن تكون قناة تقوم بهذا الدور الخبيث بالحرص على إعادة إحياء تراثنا الإسلامي وإبراز سيرة الفاروق بأبهى حُلةٍ ممكنة، الا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّها ستسعى لتشويه صورته –وإن كنت لا أستبعد ذلك-، الا أن تاريخ القناة يعطينا مُطلق الحق في عدم الثقة في نواياها، وأنّه من السذاجة أن نُحسن الظن بها، ونزعم أنّها تؤدي رسالة إنسانية تسعى من خلالها لإحياء سيرة الفاروق في نفوسنا، وبما أنّ الإنصاف يتطلّب منّا الّا نرمي الاتهامات جزافاً وبلا دليل، فإنّ أقصى ما نستطيع القيام به هو افتراض أنّ المؤسسة تسعى لتحقيق المكاسب المادية، وهو حقٌّ مشروع، وقد أبدع الصديق العزيز ياسر بكر في تفصيل ذلك وشرحه عبر مدوّنته المميزة The Bubble over My Head.





2.   المؤيدون للعمل والمتحمّسين له بنوا رأيهم بناء على فتاوى صادرة من بعض أهل العلم والاختصاص زاعمين بأنّ نخبةً منهم قاموا بمراجعة النصوص، وقد شملت القائمة أسماء يكفي الواحد منها للاطمئنان إلى جودة النّص وصحّته، كسلمان العودة ويوسف القرضاوي وعلي الصلابي وغيرهم.





وهنا يبرز التناقض الأكبر، فهل يُعقل أن نملأ الدنيا صريخاً وعويلاً بأنّ سيرة الفاروق وغيره من الصحابة في كتب السيرة والتاريخ لا تكفي، ولابدّ من تحويلها لأعمال درامية بالصوت والصورة كي يكتمل المشهد وترسخ الصورة في أذهاننا وأذهان الجيل الجديد بصورة إيجابية تشحذ النفوس وتحرّك الهمم، ثمّ نكتفي بمراجعة النصوص فقط لإصدار الفتوى، دون الاطّلاع على العمل بصورته النهائية بعد إدخال الصوت والصورة والقيام بأعمال الأخراج والمونتاج، إن المتابع العادي للأفلام والمسلسلات التلفزيونية يعلم يقيناً بأنّ العمل التلفزيوني يختلف جوهرياً في كثير من الأحيان عن النّص الأدبي، وهو يمثّل وجهة نظر المخرج أكثر من تمثيله لما يراه الكاتب، والأمثلة أكثر من أن تُحصى عربيّاً وعالمياً، وقد صرّح أكثر من كاتب في العديد من المناسبات بأنّ روايته التي تحوّلت إلى عمل سينمائي قد أصابته بخيبة أمل كبيرة لأنها جاءت على عكس ما يتصوّر، كما أنّ التاريخ السنمائي يشهد بأنّ العديد من الروايات الناجحة جداً قد باءت بالفشل عند تحويلها لفيلم سينمائي، وهناك العديد من الروايات التي تم تصويرها وتحويلها لعمل تلفزيوني أو سينمائي لأكثر من مرّة، وكان كلّ عمل مميّزاً عن غيره لدرجة عدم القدرة على الربط بينهما.





وهنا أمام أصحاب الفضيلة والعلماء الذين أجازوا العمل بناء على النص وحده واجب تاريخي وشرعي في إعادة النظر في فتواهم، وطلب الإطلاع على العمل بصورته النهائية قبل أن يجيزوا عرضه، لئلّا يقعوا في المحظور، ويكونوا قد تعرّضوا لاستغلال الشركة المنتجة في التدليس على الناس.





3.   الممثلين الذين سيقومون بالعمل، وهذه نقطة في غاية الأهمية، والجدال حولها ليس مجرّد أقاويل وتوقّعات لا أساس لها من الصحّة، فالصورة الذهنية قد تبقى عالقةً في الذّهن أبد الدّهر، خصوصاً عند الصغار الذين يشكّلون فئة كبيرة من المشاهدين، وبالتّالي فإن الممثلين الذين سيؤدون دور كبار الصحابة ستنطبع صورتهم في الأذهان، ويصبح من الصعب الفصل بينها وبين الشخصية الحقيقية، بما قد يكون له أثر سلبي، خصوصاً إذا كان الممثل له مشاهد وأدوار غير لائقة.  





4.   يعمد الكثيرين إلى تأييد العمل لمجرّد أنه تجديد وخروج عن المألوف دون أدنى اعتبار لأي شيء آخر، ومن المؤسف أن نجد الكثيرين منهم يرمي المعارضين بالتخلّف والرجعية وقلّة الوعي والفهم، متناسين بأنّ قلة الفهم هذه لم تكن موضع نزاع قبل عدّة أعوامٍ من اليوم، إنّ من يدّعي الفهم ويرمي المعارضين بالتخلّف والجمود لا يقلّ سوءاً عن الذين يرفضون كلّ جديد لمجرّد أنّه جديد.





كلمة أخيرة: أتمنّى أن يخرج العمل بصورة مشرّفة، وأن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن تكون مخاوفنا مجرّد وهم.





كما أتمنّى من الفريقين أن يمتلكوا من الشجاعة ما يكفي للاعتراف بالحقّ وبيان رأيهم بكلّ تجرّد بعد عرض العمل وبيان خيره من شرّه، مع الاعتراف بالخطأ إن لزم الأمر.